أوقف المجلس الدستوري الفرنسي، اليوم الجمعة، مشروع قانون كان يهدف إلى منع من تقل أعمارهم عن 15 عامًا من استخدام عدد من خدمات وسائل التواصل الاجتماعي، معتبرًا أن الصيغة التي أُحيلت إليه لا توفر الضمانات القانونية الكافية، وأن تطبيقها يمكن أن يمس بصورة مباشرة بحرية التعبير والوصول إلى الخدمات الرقمية.
ويأتي القرار في وقت تتزايد فيه الضغوط السياسية والاجتماعية في فرنسا وأوروبا لإيجاد قواعد أكثر صرامة لحماية القاصرين على الإنترنت، خصوصًا مع تصاعد المخاوف المرتبطة بتأثير منصات التواصل الاجتماعي على الأطفال والمراهقين.
المشكلة ليست في حماية الأطفال.. بل في طريقة تطبيق القانون
وأوضح المجلس الدستوري أن منع القاصرين الذين تقل أعمارهم عن 15 عامًا من الوصول إلى خدمات معينة عبر الإنترنت يفرض عمليًا على جميع المستخدمين، بمن فيهم البالغون، إثبات أعمارهم قبل الدخول إلى هذه الخدمات.
واعتبر المجلس أن هذا الشرط يطرح إشكالية قانونية جدية، لأن مشروع القانون لم يحدد بشكل دقيق الشروط والحدود التي ينبغي أن يخضع لها إثبات السن، وهو ما يعني، وفق قراره، أن المشرّع لم يضع الضمانات القانونية الضرورية الكفيلة بحماية الحقوق والحريات عند تطبيق هذا الإجراء.
وبذلك، لم يكن الاعتراض الدستوري قائمًا بالضرورة على مبدأ حماية القاصرين في حد ذاته، وإنما على الآليات التي كان مشروع القانون سيعتمدها لتنفيذ الحظر، وما يمكن أن تفرضه من رقابة واسعة على مستخدمي الإنترنت.
التحقق من العمر يتحول إلى قضية حقوقية
وتكشف حيثيات القرار عن واحدة من أكثر الإشكاليات تعقيدًا في تنظيم الفضاء الرقمي: كيف يمكن التأكد من عمر المستخدم دون تحويل الإنترنت إلى فضاء يفرض على الجميع تقديم معلومات شخصية قبل الوصول إلى الخدمات الرقمية؟
فإذا كان منع القاصرين يتطلب التثبت من أعمارهم، فإن تطبيق الإجراء بصورة شاملة قد يؤدي عمليًا إلى إخضاع البالغين أيضًا لآليات التحقق من الهوية أو السن. وهنا تظهر أسئلة تتعلق بالخصوصية وحماية البيانات الشخصية، إلى جانب حرية التعبير وحق الوصول إلى الإنترنت.
وقد اعتبر المجلس الدستوري أن غياب تحديد واضح للشروط والحدود التي تحكم عملية إثبات السن يجعل المشروع غير محاط بالضمانات القانونية المطلوبة.
فرنسا أمام معادلة صعبة: حماية القاصرين دون تقييد الجميع
ويعيد القرار النقاش في فرنسا إلى نقطة أكثر تعقيدًا من مجرد تحديد سن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فالتحدي الحقيقي يتمثل في إيجاد آلية تحمي الأطفال من المخاطر المحتملة للمنصات الرقمية، دون أن تتحول إجراءات الحماية إلى نظام رقابة يمس حقوق المستخدمين كافة.
وتزداد صعوبة هذه المعادلة مع اتساع استخدام شبكات التواصل الاجتماعي بين مختلف الفئات العمرية، وتنوع الخدمات والمنصات الرقمية، وصعوبة تطبيق حدود عمرية صارمة من دون أدوات تقنية دقيقة وشفافة تحترم الخصوصية.
المشرّع الفرنسي أمام خيار إعادة صياغة المشروع
ويعني قرار المجلس الدستوري أن الصيغة الحالية من مشروع القانون لا يمكن أن تدخل حيز التنفيذ، ما يضع المشرّع أمام تحدي إعادة النظر في آليات الحظر والتحقق من السن، مع ضرورة توفير ضمانات قانونية أكثر وضوحًا لحماية الحريات.
وبين حماية الأطفال من مخاطر العالم الرقمي والحفاظ على حرية التعبير والخصوصية، يبدو أن فرنسا أمام نقاش أوسع بكثير من مجرد تحديد سن استخدام وسائل التواصل الاجتماعي. فالمسألة أصبحت تتعلق بكيفية تنظيم الفضاء الرقمي دون أن تتحول حماية فئة معينة إلى قيود تشمل المجتمع بأكمله.
















