تحول التفشي الحالي لفيروس إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية إلى أخطر موجة تشهدها البلاد منذ ظهور المرض فيها، بعدما ارتفعت حصيلة الوفيات إلى 2325 وفاة، متجاوزة الرقم المسجل خلال التفشي الكبير بين عامي 2018 و2020، والذي أودى بحياة 2299 شخصاً.
وبحسب أحدث البيانات الصادرة عن السلطات الصحية، ارتفع عدد الإصابات المؤكدة إلى 4945 حالة، من بينها 101 إصابة جديدة تم تسجيلها خلال الساعات الأربع والعشرين الأخيرة، في مؤشر على استمرار سرعة انتشار الفيروس رغم جهود الاستجابة الصحية.
أسرع تفشٍ في تاريخ البلاد
يمثل التفشي الحالي الموجة السابعة عشرة من إيبولا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، وقد بدأ الإعلان عنه رسمياً في مايو 2026 في إقليم إيتوري شمال شرقي البلاد. وتفاقمت الأزمة خلال فترة قصيرة، إذ تجاوز عدد الوفيات حاجز ألفي حالة في أقل من ثلاثة أشهر، في تطور يعكس سرعة تفشي المرض وصعوبة السيطرة عليه.
وتشير أحدث المعطيات إلى أن الفيروس انتشر في ستة أقاليم، فيما ظل إقليم إيتوري بؤرة رئيسية للتفشي، وسط تحديات تتعلق ببعد بعض المناطق وصعوبة الوصول إلى السكان، إلى جانب ضعف البنية الصحية وانعدام الاستقرار في بعض المناطق.
سلالة لا يتوفر لها لقاح معتمد
ويعود التفشي الحالي إلى سلالة بونديبوجيو من فيروس إيبولا (Bundibugyo)، وهي سلالة لا يتوفر لها حتى الآن لقاح أو علاج نوعي معتمد، وفق منظمة الصحة العالمية. وتعمل الجهات الصحية على تقييم عدد من اللقاحات والعلاجات التجريبية، إلا أنها لا تزال في مراحل الاختبار.
ويزيد غياب علاج ولقاح معتمدين لهذه السلالة من صعوبة احتواء التفشي، خصوصاً في ظل التأخر في تشخيص بعض الحالات والوصول المتأخر إلى مراكز العلاج، وهي عوامل ساهمت في ارتفاع معدل الوفيات بشكل كبير. ووفق أحدث المعطيات، ارتفع معدل إماتة الحالات إلى نحو 46%.
إعلان حالة طوارئ صحية دولية
ومع اتساع نطاق التفشي، أعلنت منظمة الصحة العالمية في مايو الماضي أن انتشار فيروس إيبولا المرتبط بسلالة بونديبوجيو يمثل حالة طوارئ صحية عامة تثير قلقاً دولياً، في ظل مخاطر انتقال المرض عبر الحدود.
ولم تقتصر المخاوف على الكونغو الديمقراطية، إذ سُجلت حالات أيضاً في أوغندا المجاورة. غير أن الاستجابة السريعة هناك ساعدت على الحد من الانتشار المجتمعي، وفق أحدث التقارير.
ثاني أخطر تفشٍ في العالم
وبحصيلة الوفيات الحالية، أصبح تفشي إيبولا في الكونغو الديمقراطية ثاني أكثر تفشٍ فتكاً على مستوى العالم، بعد وباء غرب إفريقيا الذي ضرب غينيا وليبيريا وسيراليون بين عامي 2014 و2016 وأسفر عن أكثر من 11 ألف وفاة.
ويعكس تجاوز حصيلة تفشي 2018-2020 حجم الأزمة الحالية، خاصة أن الكونغو الديمقراطية راكمت خبرة واسعة في التعامل مع إيبولا بعد تسجيل عدد كبير من التفشيات خلال العقود الماضية. إلا أن اتساع نطاق العدوى، وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق، وضعف الموارد، كلها عوامل تجعل السيطرة على الموجة الحالية أكثر تعقيداً.
تحديات كبيرة أمام احتواء الفيروس
ولا يرتبط ارتفاع عدد الوفيات بخصائص الفيروس وحدها، إذ تشير التقارير إلى أن التأخر في اكتشاف الحالات والوصول إلى الرعاية الصحية يمثلان عاملاً مهماً في ارتفاع الوفيات. كما تواجه الفرق الطبية تحديات مرتبطة بالبنية التحتية الصحية والأوضاع الأمنية وحركة السكان والتجارة بين المناطق.
وينتقل فيروس إيبولا أساساً من خلال الاتصال المباشر بدم أو سوائل جسم الشخص المصاب، أو عبر ملامسة مواد ملوثة. وتبدأ أعراضه عادة بالحمى والتعب والصداع وآلام العضلات، قبل أن تتطور لدى بعض المرضى إلى أعراض شديدة قد تشمل القيء والإسهال والنزيف وفشل عدد من أعضاء الجسم.
وبينما تتواصل عمليات الرصد والتشخيص والعزل وتتبع المخالطين، تواجه السلطات الصحية سباقاً مع الزمن لوقف انتقال الفيروس، في وقت تجاوز فيه التفشي الحالي بالفعل أسوأ حصيلة سابقة في تاريخ الكونغو الديمقراطية.
ومع تسجيل 4945 إصابة مؤكدة و2325 وفاة حتى 16 أغسطس 2026، باتت الموجة الحالية واحدة من أخطر فصول تاريخ إيبولا، وسط مخاوف من استمرار ارتفاع الأرقام إذا لم تنجح جهود الكشف المبكر والعلاج والحد من انتقال العدوى في كسر سلسلة التفشي.
ايمان مهني
















