تواجه صناعة السيارات في ألمانيا واحدة من أصعب المراحل في تاريخها الحديث، بعد سنوات من الأزمات المتلاحقة التي ضربت القطاع وأضعفت موقعه باعتباره العمود الفقري للاقتصاد الألماني، ما دفع كبرى الشركات إلى البحث عن بدائل جديدة، من بينها التوسع في الصناعات العسكرية والدفاعية.
ومنذ اندلاع “فضيحة الديزل” عام 2015، التي هزّت مجموعة Volkswagen، دخل قطاع السيارات الألماني في دوامة من التحديات المتراكمة، شملت تراجع الإنتاج، وأزمة سلاسل التوريد والرقائق الإلكترونية خلال جائحة كورونا، وصولاً إلى التحول الهيكلي المرتبط بالانتقال نحو السيارات الكهربائية والتشريعات البيئية الأوروبية الصارمة.
وتشير التقديرات الحديثة إلى أن القطاع، الذي يشغّل نحو 770 ألف شخص داخل ألمانيا، قد يفقد ما يقارب 225 ألف وظيفة بحلول عام 2035، وهو العام الذي يعتزم فيه الاتحاد الأوروبي حظر محركات الاحتراق الداخلي، في إطار خططه للتحول البيئي.
كما أعلنت شركة Porsche التابعة لفولكس فاغن تسجيل خسائر كبيرة خلال الربع الأول من العام الحالي، ما عزز المخاوف بشأن مستقبل القطاع بأكمله.
ووصفت رئيسة اتحاد صناعة السيارات الألماني هِلدِغارد موللر الوضع بأنه “مثير للقلق”، معتبرة أن الأزمة المستمرة تهدد الازدهار الاقتصادي والاستقرار الاجتماعي والسياسي في ألمانيا.
التحول نحو الصناعات العسكرية
في مواجهة هذه التحديات، بدأت شركات السيارات وقطع الغيار الألمانية التوجه نحو قطاعات بديلة أكثر ربحية، وعلى رأسها الصناعات الدفاعية والعسكرية التي تشهد ازدهاراً متسارعاً منذ اندلاع الحرب في أوكرانيا وارتفاع الإنفاق العسكري الأوروبي.
ووفق دراسات اقتصادية، فإن نحو 25% من الشركات المتأثرة بالأزمة وسّعت بالفعل نشاطها نحو الصناعات الدفاعية، بينما تتجه شركات أخرى إلى مجالات الطاقة والطيران والتقنيات الطبية والسكك الحديدية.
ويُعد مصنع “أزنابروك” التابع لفولكس فاغن مثالاً بارزاً على هذا التحول، إذ كشفت تقارير إعلامية عن توجه لاستخدام المصنع في إنتاج مركبات مرتبطة بمنظومة القبة الحديدية، بالتعاون مع شركة Rafael Advanced Defense Systems.
كما دخلت شركات أخرى في شراكات مع مؤسسات دفاعية، من بينها شركة Schaeffler التي تعاونت مع شركة متخصصة في الطائرات المسيّرة، إضافة إلى شركات إنتاج إلكترونيات ومكونات عسكرية.
ويبرز أيضاً المشروع المشترك بين Rheinmetall وشركة MAN التابعة لفولكس فاغن، والذي حصل على عقد ضخم بقيمة 3.5 مليارات يورو لتزويد الجيش الألماني بآلاف المركبات العسكرية.
دعم حكومي واضح
ولا يقتصر هذا التوجه على مبادرات الشركات فقط، بل يحظى بدعم مباشر من الحكومة الألمانية، التي ترى في خبرات قطاع السيارات فرصة لتعزيز الصناعات الدفاعية.
وكان وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس قد أكد خلال قمة صناعية في برلين أن الفصل بين صناعة السيارات والصناعات العسكرية “لم يعد منطقياً”، مشيراً إلى أن تقنيات الهياكل الخفيفة وأنظمة الجودة الدقيقة المستخدمة في السيارات يمكن توظيفها بسهولة في القطاع الدفاعي.
كما أطلقت الحكومة منصة “Matchmaking” لربط الشركات المدنية بالمؤسسات العسكرية، في إطار استراتيجية تهدف إلى تسريع التعاون الصناعي والاستفادة من الطاقات الإنتاجية المتاحة.
هل يشكل قطاع الدفاع طوق نجاة؟
ويرى محللون أن طفرة الصناعات العسكرية في أوروبا، المدفوعة بالحرب في أوكرانيا وارتفاع الإنفاق الدفاعي، فتحت باباً جديداً أمام شركات السيارات الألمانية الساعية لتعويض خسائرها.
فشركة Mercedes-Benz بدأت بالفعل الترويج لنسخ عسكرية من طراز “جي كلاس”، بينما تعمل فولكس فاغن على تطوير نماذج أولية لمركبات عسكرية جديدة.
ومع ذلك، يحذر خبراء من المبالغة في التعويل على الصناعات العسكرية كحل شامل لأزمة القطاع، مؤكدين أن صناعة السيارات لا يمكن أن تتحول بالكامل إلى قطاع دفاعي، وأن الطلب العسكري رغم نموه لا يكفي لتعويض حجم السوق المدنية الضخم الذي اعتادت عليه الشركات الألمانية.
ويشير مراقبون إلى أن الأزمة الحالية تعكس تحولاً عميقاً في النموذج الصناعي الألماني، حيث تجد شركات السيارات نفسها مضطرة لإعادة تعريف دورها الاقتصادي وسط منافسة عالمية شرسة، وتحولات بيئية وتكنولوجية متسارعة، وتغيرات جيوسياسية تعيد رسم أولويات الصناعة الأوروبية بأكملها.
















