في وقت تتزايد فيه التحديات البيئية بمنطقة البحر الأبيض المتوسط، من تلوث وتغيرات مناخية واستنزاف للموارد الطبيعية، تبرز الحاجة أكثر من أي وقت مضى إلى مبادرات قادرة على الجمع بين حماية البيئة وخلق فرص اقتصادية جديدة، خاصة لفائدة الشباب والنساء والفئات الهشة الباحثة عن موقع داخل سوق الشغل. وفي هذا السياق، يبرز مشروع MERAVIGLIA كإحدى المبادرات المتوسطية الطموحة التي تراهن على تحويل الاقتصاد الأخضر من مجرد شعار بيئي إلى محرّك حقيقي للتشغيل والتنمية المستدامة. المشروع، الذي تشرف على تنفيذه جمعية التربية البيئية بالحمامات بتمويل من الاتحاد الأوروبي ضمن برنامج التعاون الإقليمي لحوض المتوسط، يسعى إلى بناء جيل جديد من رواد الأعمال القادرين على ابتكار حلول بيئية مستدامة وتحويلها إلى مشاريع اقتصادية واعدة. ويقوم المشروع على فكرة أساسية مفادها أن الأزمات البيئية لا تمثل فقط تهديدًا للمجتمعات، بل يمكن أن تتحول أيضًا إلى فرص استثمارية ومجالات جديدة للعمل والإبداع. فمن خلال التكوين والتأطير والمرافقة، يطمح القائمون على المشروع إلى تمكين الشباب والنساء والعاطلين عن العمل من اكتساب مهارات جديدة في مجالات الاقتصاد الأخضر، بما يفتح أمامهم آفاقًا مهنية أكثر استقرارًا واستدامة. ويراهن مشروع MERAVIGLIA على تطوير مسارات تدريب حديثة وآليات مرافقة مبتكرة تساعد حاملي الأفكار والمشاريع البيئية على الانتقال من مرحلة التصور إلى مرحلة الإنجاز، مع تسهيل التواصل مع المؤسسات المالية والداعمين المحتملين، خاصة وأن التمويل يبقى من أبرز العراقيل التي تواجه أصحاب المشاريع الناشئة في تونس.
ويضم المشروع شبكة تعاون متوسطية تشمل عدة بلدان من بينها تونس وفرنسا وإيطاليا وتركيا ولبنان والأردن، في تجربة تقوم على تبادل الخبرات والمعارف وتطوير حلول مشتركة للتحديات البيئية والتنموية التي تواجه المنطقة.
ويرى متابعون للشأن البيئي أن تونس تمتلك إمكانيات كبيرة في مجال الاقتصاد الأخضر، سواء في الطاقات المتجددة أو تثمين النفايات أو الاقتصاد الأزرق المرتبط بالبحر والموارد الساحلية، غير أن استغلال هذه الإمكانيات ما يزال دون المأمول بسبب ضعف التمويل، ونقص التكوين المختص، وثقل الإجراءات الإدارية.
ويؤكد مختصون أن الاستثمار في المجال البيئي أصبح اليوم من أكثر القطاعات القادرة على خلق مواطن شغل جديدة، خاصة مع التوجهات العالمية نحو الاقتصاد المستدام، معتبرين أن كل إشكال بيئي يمكن أن يتحول إلى مشروع مبتكر إذا توفرت الإرادة والدعم والمرافقة.
ومن المنتظر أن يحقق مشروع MERAVIGLIA جملة من النتائج خلال السنوات القادمة، من بينها تجهيز فضاءات للتكوين والمرافقة، وإطلاق أكاديمية افتراضية لريادة الأعمال الخضراء، إضافة إلى مرافقة مئات العاطلين عن العمل ومساعدة أصحاب المشاريع البيئية على بعث مؤسسات ناشئة قادرة على خلق قيمة اقتصادية واجتماعية حقيقية. وبين رهانات التنمية وتحديات البطالة والتحولات المناخية، يبدو أن الاقتصاد الأخضر لم يعد مجرد خيار بيئي، بل أصبح ضرورة اقتصادية واجتماعية تفرض نفسها بقوة في تونس وفي كامل الفضاء المتوسطي.
ايمان مهني
















