أنطاليا – مراسلنا: عبد اللطيف بن هدية
شكّل منتدى التنمية في إفريقيا #ADF2026 محطة مفصلية جديدة في مسار النقاشات الاقتصادية الدولية حول مستقبل القارة الإفريقية، في سياق عالمي بالغ التعقيد، يتسم بتسارع التحولات الجيوسياسية، وإعادة تشكيل سلاسل الإنتاج، وتزايد رهانات الانتقال الطاقي والرقمي.
منذ اللحظة الأولى للوصول إلى إسطنبول، يلمس الزائر طابعًا اقتصاديًا حيويًا لمدينة تحتل موقعًا استراتيجيًا بين الشرق والغرب، وتُعدّ اليوم أحد أبرز المراكز الاقتصادية الدولية. إسطنبول ليست مجرد فضاء جغرافي، بل هي نقطة التقاء للتيارات الاقتصادية والاستثمارية، وفضاء يعكس ديناميكية الاقتصاد العالمي المتحوّل، حيث تتقاطع الرؤى وتتفاعل التجارب وتُبنى شبكات التعاون الدولي.
وفي هذا الإطار، جاء تنظيم منتدى #ADF2026 ليعكس مستوى عاليًا من الاحترافية في الإعداد والتنظيم، سواء من حيث جودة البرمجة، أو حسن الاستقبال، أو تنسيق مختلف الجوانب اللوجستية. وقد برز بشكل خاص الدور الفعّال للشباب في إنجاح هذه التظاهرة، من خلال تفانٍ واضح في العمل وروح مسؤولية عالية، ساهمت في إعطاء صورة إيجابية عن قدرات التنظيم وإدارة الفعاليات الكبرى.
كما تميز المنتدى بحضور دولي واسع شمل وفودًا رسمية وخبراء وممثلين عن مؤسسات اقتصادية ومالية من مختلف القارات، ما يعكس المكانة المتنامية لهذا الموعد كمنصة حوار عالمية حول مستقبل التنمية في إفريقيا. وقد رافق ذلك تنظيم أمني محكم، عكس حجم الحدث وأهميته، وضمان السير السلس لمختلف الجلسات والأنشطة.
ولا يقتصر منتدى التنمية في إفريقيا على كونه تظاهرة اقتصادية تقليدية، بل يطرح نفسه كمنصة لإعادة التفكير في النموذج التنموي الإفريقي ذاته، وفي موقع القارة داخل الاقتصاد العالمي. فإفريقيا اليوم تقف عند مفترق طرق تاريخي، بين إمكانات هائلة من حيث الموارد البشرية والطبيعية، وتحديات بنيوية تتطلب إصلاحات عميقة وشاملة.
وقد وضع المنتدى في قلب نقاشاته قضايا أساسية، من أبرزها السيادة المالية، وإصلاح الأنظمة الجبائية، وتحسين تعبئة الموارد الداخلية، بما يسمح بتقليص الاعتماد على التمويل الخارجي والدين. كما ستتم مناقشة سبل تحسين مناخ الاستثمار، وتعزيز الشفافية والاستقرار التشريعي، باعتبارها شروطًا أساسية لجذب الاستثمارات الأجنبية، إلى جانب دعم الاستثمارات الإفريقية البينية التي ما تزال دون المستوى المطلوب رغم أهميتها الاستراتيجية.
وفي سياق متصل، برز الابتكار التكنولوجي والتحول الرقمي كأحد أهم محركات التنمية المستقبلية، من خلال تطوير حلول التكنولوجيا المالية (Fintech)، وتحديث الإدارة العمومية، وتعزيز استخدام الذكاء الاصطناعي في تحسين الأداء الاقتصادي والمؤسساتي، إضافة إلى دعم مسار التصنيع الأخضر كخيار استراتيجي لمواجهة التحديات البيئية والاقتصادية.
كما لم يغفل المنتدى إشكاليات الحوكمة الاقتصادية، حيث سيتم التطرق إلى ضرورة تعزيز فعالية المؤسسات المالية، وتحسين جودة البيانات الاقتصادية، ومحاربة الاقتصاد الموازي الذي يشكل عبئًا كبيرًا على المالية العمومية في العديد من الدول الإفريقية. ويُعدّ هذا الجانب أحد المفاتيح الأساسية لأي إصلاح اقتصادي ناجح ومستدام.
وفي هذا السياق، تتعزز فكرة أن إفريقيا تتجه نحو بلورة مقاربة تنموية جديدة، أكثر واقعية وارتباطًا بخصوصياتها، وأقل اعتمادًا على النماذج الجاهزة. ويبرز في هذا الإطار دور منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية كرافعة استراتيجية لتعزيز التكامل الاقتصادي، وتسهيل حركة السلع والخدمات، وبناء سوق إفريقية موحدة قادرة على المنافسة على المستوى العالمي.
وفي المحصلة، يمكن القول إن الرهان الأساسي لمثل هذه المنتديات لا يكمن فقط في تبادل الرؤى والنقاشات، بل في الانتقال إلى مرحلة التنفيذ الفعلي للإصلاحات، بما يعزز الثقة لدى المستثمرين، ويدعم مسار التحول الهيكلي العميق الذي تحتاجه القارة الإفريقية.
إن إفريقيا اليوم لا تحتاج فقط إلى النمو، بل إلى تحول نوعي في نماذجها الاقتصادية والتنموية، يضعها في موقع فاعل داخل الاقتصاد العالمي، بدل موقع المتلقي أو التابع.

.jpg)














