حنان العبيدي
في مداخلة تلفزية ضمن برنامج «L’Expert» على قناة تونسنا، قدّم الخبير في الشأن المالي معز حديدان قراءة تحليلية لأداء البورصة التونسية خلال الأسابيع الأولى من السنة، مسلطًا الضوء على تطور مؤشر السوق وأبرز التحركات المسجلة في عدد من الأسهم.
شهر فيفري… فترة حاسمة في انتظار القوائم المالية
أكد حديدان أن الفترة الحالية تُعدّ مرحلة مفصلية في السنة “البورصية”، خاصة خلال شهري جانفي وفيفري، في انتظار انطلاق نشر القوائم المالية السنوية للشركات المدرجة بداية من شهر مارس. واعتبر أن هذه المرحلة تكون عادة ثرية بالأخبار والتوقعات، وهو ما ينعكس مباشرة على نسق التداولات وأداء المؤشر.
وأشار إلى أن “مؤشر توننداكس” حافظ خلال جانفي على منحى تصاعدي، حيث بلغ بتاريخ 28 جانفي مستوى 14.618 نقطة، مسجلاً مردودية في حدود 8.6 بالمائة منذ بداية السنة. غير أن المؤشر عرف بعد ذلك فترة جني أرباح وتراجع إلى حدود 14.326 نقطة يوم 2 فيفري، قبل أن يستعيد نسقه التصاعدي مجددًا ليصل يوم 12 فيفري إلى 14.595 نقطة، أي بمردودية تناهز 8.52 بالمائة منذ مطلع السنة.
أبرز الأسهم الرابحة منذ بداية السنة
وفي ما يتعلق بأهم الارتفاعات، أوضح حديدان أن الترتيب لم يشهد تغييرات جوهرية مقارنة بالأسبوع السابق، مع تسجيل أداء لافت لعدد من الأسهم.
وتصدّرت الشركة التونسية للصناعات الإطارية (STI) قائمة الارتفاعات بمردودية بلغت 62.9 بالمائة منذ بداية السنة، تلتها:
- “سانيميد” بنسبة 38 بالمائة
- “تونس ري” بنسبة 34 بالمائة
- ATL بنسبة 32 بالمائة
- تونس للتأمين وإعادة التأمين بنسبة 28 بالمائة
كما أشار إلى أداء إيجابي لعدد من الشركات الكبرى، من بينها:
- Délice Holding التي سجلت ارتفاعًا بـ18.9 بالمائة، مع تجاوز سعر السهم مستوى 130 دينارًا
- BIAT التي ارتفعت بنسبة 16.2 بالمائة، متجاوزة 21 دينارًا للسهم
- Amen Bank بنسبة نمو بلغت 14.8 بالمائة، ليستقر سعر السهم في حدود 57 دينارًا
الحذر من “الارتفاعات التقنية” للأسهم ضعيفة التداول
في المقابل، نبّه حديدان إلى ضرورة التمييز بين الارتفاعات الحقيقية المدعومة بأحجام تداول معتبرة، وتلك المسجلة على بعض الأسهم الصغيرة ذات السيولة الضعيفة. وأوضح أن بعض الشركات قد تسجل قفزات في حدود 30 أو 35 بالمائة، غير أن التدقيق في كميات التداول يكشف أحيانًا أن العمليات لا تتجاوز بيع أو شراء عدد محدود جدًا من الأسهم، وهو ما يفقد هذه الارتفاعات دلالتها الاستثمارية.
وبيّن أن القراءة المهنية لا تكتفي بنسبة المردودية فقط، بل تعتمد كذلك على معيار “نسبة المساهمة في أداء المؤشر”، وهي معادلة تقوم على ضرب مردودية السهم في وزنه داخل “مؤشر توننداكس”. فحتى وإن حقق سهم معيّن ارتفاعًا كبيرًا، فإن تأثيره في المؤشر يبقى محدودًا إذا كان وزنه ضعيفًا.
مؤشرات على تعافٍ في بعض المجاميع الصناعية
كما تطرق حديدان إلى عودة الارتفاع لعدد من الشركات الصناعية، خاصة تلك الناشطة في قطاع مواد البناء، على غرار بعض الشركات التابعة لمجمعات صناعية كبرى. وأشار إلى أن هذه الشركات كانت قد تأثرت سابقًا بارتفاع أسعار المواد الأولية وبالمنافسة غير المنظمة في السوق الموازية، إلى جانب صعوبات مرتبطة بالتوريد.
وختم بالتأكيد على أن المرحلة القادمة ستتضح معالمها أكثر مع صدور النتائج السنوية، والتي ستحدد ما إذا كانت هذه الارتفاعات مدعومة بأسس مالية صلبة أم أنها تبقى في إطار تحركات ظرفية مرتبطة بالمضاربة.
تحسّن التزوّد بالمواد الأولية يدعم عودة أسهم القطاع الصناعي
في الجزء الثاني من مداخلته ببرنامج «L’Expert» على قناة تونسنا، تطرّق معز حديدان إلى وضعية عدد من الشركات الصناعية التي عانت خلال السنوات الأخيرة من ضغوطات هيكلية أثّرت سلبًا على أدائها في البورصة.
وأوضح أن من أبرز الإشكاليات التي واجهت هذه المؤسسات مسألة التوريد العشوائي، الذي أثّر مباشرة في تنافسية بعض الشركات الوطنية، خاصة في قطاعات مواد البناء والخزف. وذكر في هذا السياق شركات مثل:
- SOMOCER
- SANIMED
- SOTEMAIL
وبيّن أن هذه الشركات تكبّدت أيضًا صعوبات إضافية خلال السنتين الماضيتين، تمثلت أساسًا في تعطل أو تعقيد عمليات التزود بالمواد الأولية، ما أثّر على نسق الإنتاج والقدرة على تلبية الطلب.
غير أن المؤشرات الأخيرة، وفق حديدان، توحي بوجود تحسّن نسبي في التزوّد بالمواد الأولية (approvisionnement en matières premières)، وهو ما انعكس إيجابيًا على توقعات المستثمرين. هذا التحسن أعاد نوعًا من الثقة في آفاق السنوات القادمة، وفسّر جزئيًا عودة الارتفاع في قيمة أسهم بعض الشركات، وعلى رأسها شركات مجمع “سوموسير” SOMOCER GROUP .
المستثمر يراهن على السنوات القادمة
وأكد حديدان أن السوق عادة ما يسبق النتائج الفعلية، إذ يتحرك المستثمر بناءً على التوقعات المستقبلية أكثر من المعطيات الحالية. وبالتالي فإن تحسن الظروف التشغيلية، حتى وإن كان تدريجيًا، يدفع المتعاملين إلى إعادة تقييم الأسهم التي كانت تعاني سابقًا.
كما شدّد على أهمية الشفافية والإفصاح، مذكّرًا بضرورة احترام آجال نشر البلاغات إلى بورصة تونس في صورة القيام بعمليات مالية هامة، خاصة تلك المتعلقة بالتصرف في مساهمات أو إنجاز صفقات مؤثرة.
وأشار في هذا الإطار إلى أن السوق شهد مؤخرًا إعلان أحد المجامع عن عملية بيع أسهم بقيمة تقارب مليون دينار في أحد البنوك، وهي عملية تم التصريح بها طبقًا للتراتيب الجاري بها العمل، بما يعزز مبدأ الإفصاح ويُمكّن المستثمرين من متابعة تطورات الشركات في كنف الشفافية.
وختم بالتأكيد على أن المرحلة القادمة ستظل رهينة عاملين أساسيين: تحسن المناخ الاقتصادي من جهة، ومدى قدرة الشركات على تثبيت هذا التعافي وتحويله إلى نتائج مالية إيجابية تدعم استدامة الارتفاع المسجل في أسهمها.
تحركات على مستوى رأس مال البنك… وقراءة في ديناميكية المجامع
واصل معز حديدان في الجزء الثالث من مداخلته على «L’Expert» بقناة قناة تونسنا تحليل التحركات الأخيرة على مستوى تركيبة المساهمين في أحد البنوك الخاصة.
وأوضح أن العملية المسجلة لا تتجاوز من حيث النسبة 0.03% من رأس المال، لكنها تظل ذات دلالة بالنظر إلى هوية الأطراف المتدخلة. فقد قام مجمع المزابي يوم 4 فيفري ببيع 16 ألف سهم، في حين قام في اليوم نفسه المساهم التونسي مجمع دريس بشراء 13.369 سهمًا بقيمة تناهز 0.88 مليون دينار، أي في نفس المنطقة السعرية تقريبًا.
واعتبر حديدان أن تزامن العمليتين يطرح أكثر من فرضية:
هل نحن أمام إعادة تموقع داخل هيكلة المساهمين؟
هل سيتواصل هذا النسق من العمليات؟
وهل ينوي مجمع المزابي التخارج تدريجيًا من رأس مال Attijari Bank Tunisie؟
الأيام القادمة، وفق تعبيره، كفيلة بالإجابة عن هذه التساؤلات.
كما أشار إلى أن عملية البيع تمت عبر شركة Maki Holding، في حين تمت عملية الشراء عبر شركة Nouvelair Invest التابعة لمجمع دريس، في إطار احترام قواعد التصريح والشفافية لدى بورصة تونس.
مرحلة انتقالية داخل مجمع المزابي
وتوقف حديدان عند التحولات الداخلية التي يشهدها مجمع المزابي بعد وفاة أحد مؤسسيه، مشيرًا إلى أن التسيير اليوم بيد السيد خالد المزابي، الذي يقود المجمع في مرحلة جديدة يُنتظر أن تتضح ملامح استراتيجيتها في الفترة القادمة، خاصة وأن المجمع عُرف تاريخيًا بتحفظه الإعلامي وقلة تصريحاته.
مجمع الكيلاني… توسع استراتيجي وشراكة دولية
في سياق متصل، تطرّق حديدان إلى إعلان شراكة بين مجمع الكيلاني والمخبر العالمي Sanofi، معتبراً أن هذه الخطوة تعكس تطورًا نوعيًا في قطاع الصناعات الدوائية في تونس.
ويضم مجمع الكيلاني عدة شركات، من بينها:
- TERIAK
- MEDIS
- PROCHIDIA
وبموجب الاتفاق، ستتولى بعض هذه الشركات تصنيع أدوية أو مواد لصالح “سانوفي”، إضافة إلى شراكات توزيع وتطوير.
كما ذكّر بأن المجمع كان قد اقتنى في السنوات الماضية شركة أدوية مدرجة ثم قام بإخراجها من البورصة، قبل أن يستحوذ سنة 2023 على STA، ما عزز حضوره في قطاع السيارات. وتبقى شركة STA اليوم إحدى بوابات المجمع داخل بورصة تونس.
وأشار كذلك إلى أن رجل الأعمال منير شعبان كان قد تخلى تدريجيًا عن مساهماته في STA، في خطوة تعكس إعادة تموقع استراتيجي، مؤكدًا أن قصص نجاح رجال الأعمال التونسيين تمثل تجارب ملهمة تستحق تسليط الضوء عليها.
الفاتورة الإلكترونية… ضرورة التوضيح التشريعي
وفي محور آخر، تناول حديدان مسألة الفاتورة الإلكترونية، معتبراً أن هناك حاجة ملحّة لتنقيح النصوص القانونية لتفادي حالة الضبابية التي عرفتها بداية السنة.
وأوضح أن الإشكال يكمن في أن بعض المؤسسات قدّمت ملفاتها للانخراط في المنظومة الإلكترونية لكنها لم تتلقّ الرد بعد من الإدارة الجبائية. فهل تواصل إصدار فواتير ورقية أم تُجبر على المرور الفوري إلى الصيغة الإلكترونية رغم عدم جاهزيتها اللوجستية؟
وأشار إلى أن فترة بداية جانفي شهدت ارتباكًا واضحًا، خاصة خلال الأيام العشرة الأولى من السنة، قبل صدور توضيحات رسمية من السلطات. وختم بالتأكيد على أهمية حسم هذه المسائل تشريعيًا قبل دخول شهر رمضان، نظرًا لما يشهده من حركية اقتصادية مكثفة، وحتى تتمكن المؤسسات من العمل في مناخ قانوني واضح ومستقر.

.jpg)














