أعاد الإعلان الأخير الصادر عن السجل الوطني للمؤسسات بخصوص اقتناء مقرّ جديد طرح سؤال مشروع لا يمكن تجاهله:
لماذا هذا الحجم من الاستثمار؟ ولماذا بالضرورة في أحد أرقى أحياء العاصمة مثل منطقة البحيرة؟
التقديرات الأولية تشير حسب أحد الخبراء إلى كلفة قد تتراوح بين 30 و50 مليون دينار، دون احتساب مصاريف التأثيث، والتجهيزات، والأمن، والتسيير، والموارد البشرية. وهو رقم ثقيل في ظرف اقتصادي دقيق، يفترض فيه أن تكون الأولوية لترشيد الإنفاق العمومي لا لتضخيمه.
البحيرة: عنوان هيبة أم عبء مالي؟
اختيار منطقة البحيرة يثير أكثر من علامة استفهام:
• كلفة عقارية مرتفعة جدًا،
• رمزية نخبوية لا تنسجم مع طبيعة مرفق عمومي موجّه أساسًا إلى روّاد الأعمال، المؤسسات الصغرى والمتوسطة، والشباب المبادر.
فهل يتطلّب حسن تسيير سجلّ رقمي في جوهره مقرًا فاخرًا في أغلى مناطق البلاد؟
بدائل أكثر عقلانية كانت ممكنة
من منظور إداري حديث، كان بالإمكان اعتماد نموذج أكثر ذكاءً:
• مقر استقبال محدود ومفتوح للعموم في موقع سهل النفاذ،
• نقل الأعمال الخلفية (Back-office)، والفرق التقنية، وقواعد البيانات والخوادم إلى مناطق مهيّأة لذلك مثل قطب الغزالة أو الشطرانة، حيث الكلفة أقل والبيئة الرقمية أنسب.
هذا الخيار معمول به في عديد الدول، ويضمن تخفيضًا كبيرًا في المصاريف دون المساس بجودة الخدمة.
وأين المشكل إن كان المقر في وسط العاصمة أو في حي شعبي؟
السؤال الجوهري الذي يجب طرحه بجرأة هو التالي:
أين الضرر لو تم اختيار وسط مدينة تونس أو أحد الأحياء الشعبية لاحتضان مقر السجل الوطني للمؤسسات؟
لماذا لا يكون الاختيار:
• وسط العاصمة للمساهمة في إعادة إحيائه اقتصاديًا وإداريًا؟
• أو أحياء مثل المنيهلة، السيجومي أو الكبارية، التي تُستحضر دائمًا عند الحديث عن الهشاشة، ونادرًا ما تُذكر عندما يتعلّق الأمر بالاستثمار العمومي المهيكل؟
وجود مؤسسة وطنية في هذه المناطق من شأنه أن يُحدث:
• حركية اقتصادية مباشرة،
• دعمًا للتجارة المحلية،
• تحسينًا للبنية التحتية،
• ورسالة قوية مفادها أن الدولة حاضرة في كل الأحياء، لا فقط في أحياء الواجهة.
الدولة الحديثة لا تخشى الأحياء الشعبية
المرفق العمومي لا يُقاس بواجهات زجاجية ولا بمواقع راقية.
قيمته الحقيقية تكمن في قربه من المواطن، وسهولة النفاذ إليه، وعدالته المجالية.
اختيار حي شعبي لاحتضان مؤسسة وطنية ليس تراجعًا، بل هو:
• قرار سياسي شجاع،
• خيار للاندماج الاجتماعي،
• وتجسيد فعلي لمفهوم الدولة العادلة مجاليًا.
وفي زمن الرقمنة، لماذا كل هذا العقار؟
مفارقة أخرى تفرض نفسها:
في عصر الخدمات الرقمية، والتصريح الإلكتروني، والتكامل بين المنصات،
لماذا كل هذه المساحات؟ ولماذا هذا الحضور المكثف للموارد البشرية في موقع واحد؟
الرقمنة وُجدت لتقليص الكلفة والبيروقراطية، لا لتحويلها إلى استثمار عقاري فاخر على حساب المال العام.
الخلاصة: مسألة رؤية قبل أن تكون مسألة مقر
لا أحد يشكّك في أحقية السجل الوطني للمؤسسات في مقرّ لائق.
لكن السؤال الحقيقي هو:
هل نريد دولة ناجعة ورصينة، أم دولة تخلط بين الحداثة الرقمية والبذخ العقاري؟
الحوكمة الرشيدة تبدأ من حسن اختيار الموقع،
وأحيانًا… من الشجاعة في اختيار الحي المناسب لا الأغلى ثمنًا.

















