لم يكن الجمهوريون وحدهم من خسر ليلة 3 نوفمبر 2026. فخلف الموجة الديمقراطية التي اكتسحت مجلسي الكونغرس، تتكشّف هزيمة من نوع آخر: تآكل قدرة أيباك، أقوى لوبي مؤيد لإسرائيل في واشنطن، على صناعة السياسيين وإسقاطهم بقوة المال.
لم تعد الانتخابات الأمريكية شأناً داخلياً يقتصر على التنافس بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، ولا مجرد صراع حول الاقتصاد والضرائب والهجرة. لقد أصبحت، بصورة متزايدة، اختباراً لمدى قدرة جماعات الضغط ومراكز النفوذ على توجيه القرار السياسي الأمريكي، وفي مقدمتها لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (AIPAC).
ومن هذا المنطلق، يبدو أن الكيان الصهيوني واللوبيات الداعمة له يعيشون واحدة من أصعب لحظاتهم السياسية في الولايات المتحدة: أصوات أمريكية متنامية ترفض منح إسرائيل دعماً سياسياً وعسكرياً غير مشروط، وانتقادات متصاعدة لسياساتها في الأراضي الفلسطينية، ولا سيما في غزة. والمسألة لم تعد مرتبطة بمواقف الإدارات المتعاقبة فحسب، بل باتت تمسّ صورة إسرائيل داخل المجتمع الأمريكي نفسه، وتطرح أسئلة جدية حول حدود نفوذ اللوبيات المؤيدة لها.
أيباك.. من صناعة السياسيين إلى العجز عن ضمان انتصاراتهم
أبرز مؤشرات تراجع قدرة هذا اللوبي على فرض إرادته ما شهدته الانتخابات التمهيدية لسنة 2026، حيث لم تعد الأموال الضخمة تضمن النتائج المرجوّة. ففي ولاية ميشيغان، فاز المرشح التقدمي عبد السيد في 4 أوت بترشيح الحزب الديمقراطي لمجلس الشيوخ، متغلباً على النائبة هايلي ستيفنز رغم أن «مشروع الديمقراطية المتحدة»، الذراع الانتخابية لأيباك، أنفق أكثر من 30 مليون دولار ضده، وهو رقم قياسي للمنظمة في سباق واحد، ضمن إنفاق خارجي تجاوز 60 مليون دولار لصالح منافسته.
ولم تكن ميشيغان استثناءً. ففي كاليفورنيا، فازت السيناتورة المحلية عائشة وهاب في 18 أوت بالانتخابات الخاصة لشغل مقعد الدائرة 14 في مجلس النواب، رغم إنفاق نحو 4.4 ملايين دولار من مجموعات مؤيدة لإسرائيل لدعم منافستها.
والأكثر دلالة أن أيباك أعلنت، في رسالة إلى أعضائها يوم 21 أكتوبر 2026، وقف التأييد الرسمي للمرشحين والمساهمات المباشرة عبر لجنتها السياسية، واصفةً سنة 2026 بأنها من أصعب البيئات السياسية التي واجهتها. غير أنها ستواصل نشاطها عبر لجنتها الفائقة «مشروع الديمقراطية المتحدة» القادرة على جمع أموال غير محدودة، وعبر تعبئة المتبرعين الأفراد للتمويل المباشر للمرشحين.
تكشف هذه التطورات عن تحوّل لافت: فالدعم غير المشروط لإسرائيل لم يعد ورقة رابحة انتخابياً بالضرورة، بل أصبح في بعض الدوائر عبئاً على المرشحين المرتبطين به، إلى حدّ أن بعضهم بات يعلن رفض أموال المنظمة.
أرقام ومحطات
+30 مليون $ إنفاق ذراع أيباك ضد عبد السيد في تمهيديات ميشيغان
≈ 4.4 مليون $ إنفاق مجموعات مؤيدة لإسرائيل ضد عائشة وهاب في كاليفورنيا
21 أكتوبر 2026 أيباك توقف التأييد الرسمي والمساهمات المباشرة لمرشحيها
3 نوفمبر 2026 عبد السيد يفوز بمقعد ميشيغان في مجلس الشيوخ
انتخابات 3 نوفمبر.. رسالة تتجاوز حدود الحزبين
جاءت نتائج التجديد النصفي لتضيف بُعداً جديداً إلى هذا المشهد، إذ انتزع الديمقراطيون الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، في هزيمة واسعة للجمهوريين ولإدارة دونالد ترامب، بعد أن قلبوا مقاعد جمهورية في ولايات محسوبة تقليدياً على اليمين مثل تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية. وقد لعب غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الطاقة وتداعيات الحرب التجارية دوراً أساسياً في توجيه أصوات الناخبين.
وفي ميشيغان تحديداً، فاز عبد السيد بمقعد مجلس الشيوخ، أي أن المرشح الذي جعلته أيباك هدفها الأول في هذه الدورة سيجلس ابتداءً من جانفي المقبل في الغرفة العليا للكونغرس. وهي صورة رمزية بليغة عن حدود سلطة المال الانتخابي.
لكن القراءة الأعمق لهذه النتائج لا تتوقف عند التوازنات الحزبية، بل تمتد إلى مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب. فقد أصبح الناخب الأمريكي أكثر استعداداً لمساءلة السياسيين بشأن المساعدات العسكرية لإسرائيل، وأكثر حساسية لتداعيات الحرب على غزة. وهنا تكمن المعضلة الحقيقية لأيباك: كيف تواصل ممارسة نفوذها التقليدي في وقت باتت فيه بعض مواقفها موضع خلاف داخل الحزبين، وحتى داخل أوساط كانت تعدّ دعم إسرائيل مسألة محسومة؟
سقوط الاحتكار لا يعني نهاية النفوذ
ينبغي عدم الخلط بين التراجع الانتخابي ونهاية النفوذ. فأيباك ما زالت تملك موارد مالية ضخمة وشبكات واسعة داخل الكونغرس ومؤسسات القرار؛ وهي تؤكد أنها ساعدت 290 مرشحاً على الفوز خلال هذه الدورة، وأن أعضاءها قدّموا أكثر من 90 مليون دولار مباشرة للمرشحين. كما أن تغيّر الأغلبية في الكونغرس لا يعني تلقائياً تحوّلاً جذرياً في السياسة الخارجية الأمريكية.
لكن ما تغيّر فعلاً هو أن هذا النفوذ لم يعد محصّناً من النقد والمساءلة، وأن الأصوات المطالبة بمراجعة طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية أصبحت أكثر حضوراً وتأثيراً، بعد أن انتقلت من الهامش إلى قلب الحزب الديمقراطي.
ويبقى من الضروري التأكيد أن انتقاد الصهيونية وسياسات الحكومة الإسرائيلية لا يجوز خلطه بالعداء لليهود أو استهدافهم بسبب ديانتهم؛ فالمعركة هنا سياسية، تتعلق بالاحتلال والحقوق الفلسطينية، وبالمال الانتخابي وحدود تأثير جماعات الضغط في الديمقراطية الأمريكية.
الخلاصة: الخاسر الأكبر ليس حزباً بل مشروع نفوذ
إذا كانت الانتخابات قد أفرزت خاسراً جمهورياً واضحاً، فإن الخاسر الاستراتيجي الآخر هو المشروع السياسي الذي راهن على استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل دون شروط أو مساءلة. فالكيان الصهيوني يجد نفسه أمام واقع أمريكي جديد، لم يعد فيه دعم البيت الأبيض أو أغلبية في الكونغرس كافياً لضمان غطاء سياسي إلى ما لا نهاية.
أما أيباك، التي اعتادت أن تكون رقماً صعباً في المعادلة الانتخابية، فتواجه اختباراً حقيقياً: هل تستطيع الحفاظ على نفوذها في بيئة يتزايد فيها رفض ربط المصالح الأمريكية بالدفاع غير المشروط عن السياسات الإسرائيلية؟
قد لا تكون هذه الانتخابات نهاية نفوذ أيباك، لكنها قد تكون بداية نهاية احتكارها للنقاش السياسي الأمريكي حول إسرائيل. وتلك، في حدّ ذاتها، هزيمة سياسية ومعنوية لا يمكن للكيان الصهيوني وحلفائه في الولايات المتحدة تجاهلها.
















