بدأ موسم التخفيضات في تونس يوم 7 أوت 2026، لكن أين هو الإقبال؟ وأين هي العروض الحقيقية؟
رغم انطلاق موسم التخفيضات في تونس يوم 7 أوت 2026، لا يبدو أن المشهد داخل المحلات التجارية يعكس أجواء «الصولد» التي يفترض أن ترافق هذا الموعد التجاري. فلا طوابير طويلة، ولا ازدحام لافت، ولا إقبال كبير من المستهلكين بحثاً عن الصفقات الجيدة، في وقت ترفع فيه العديد من واجهات المحلات شعارات من قبيل «تخفيضات تصل إلى 70%».
فهل توجد فعلاً تخفيضات في تونس؟ أم أن «الصولد» فقد بريقه وأصبح مجرد موعد تجاري عابر؟
هذا الموعد الذي ينتظره التجار عادة لتصريف المخزونات وتجديدها، ويترقبه المستهلكون بحثاً عن أسعار أفضل، بدأ يفقد أهميته تدريجياً لعدة أسباب، أبرزها ضعف القدرة الشرائية، وتراجع السيولة لدى الأسر، وتنامي عدم الثقة في الأسعار المعلنة، إلى جانب انتشار التخفيضات والعروض الترويجية طوال السنة وتطور التجارة الإلكترونية.
8% فقط من العائلات كانت تخصص ميزانية للصولد
ورغم أن المعطيات المتوفرة ليست حديثة، فإن دراسة أنجزها المعهد الوطني للاستهلاك سنة 2018 تكشف الكثير عن علاقة التونسيين بموسم التخفيضات.
فقد بينت الدراسة أن 8% فقط من العائلات كانت تخصص ميزانية لموسم التخفيضات، مقابل 78% لا تخصص أي ميزانية لهذا الغرض، في حين قالت 14% إنها تفعل ذلك أحياناً.
أما تمويل المشتريات خلال فترة التخفيضات، فكان يعتمد أساساً على الراتب الشهري بنسبة 66%، مقابل 20% من المستهلكين يعتمدون على الادخار، و11% يلجؤون إلى الشراء بالتقسيط.
وهذه الأرقام تعكس منذ سنوات ضعف ثقافة التخطيط المسبق لموسم التخفيضات لدى المستهلك التونسي.
ماذا يعني «الصولد» بالنسبة إلى التونسي؟
تكشف الدراسة أيضاً عن اختلاف واضح في نظرة المستهلكين إلى التخفيضات.
فـ 40% منهم يرون أن التخفيضات تمثل فرصة للتجار للتخلص من السلع القديمة، بينما يعتبرها 27% فرصة لشراء منتجات ذات جودة بأسعار منخفضة.
في المقابل، يرى 14% أن موسم التخفيضات يساعدهم على تنظيم مشترياتهم، بينما يستغل 11% هذه الفترة لشراء منتجات سيستخدمونها في وقت لاحق.
أما بالنسبة إلى تجربة المستهلكين خلال آخر موسم للتخفيضات آنذاك، فقد تبين أن 34% من العينة قاموا بعمليات شراء، وكان هؤلاء في غالبيتهم من النساء والشباب وسكان المناطق الساحلية.
وتصدرت الملابس قائمة المشتريات بنسبة 82%، تلتها الأحذية بـ 43%، ثم العطور ومواد التجميل بـ 9%.
لماذا لا يشتري التونسي خلال الصولد؟
الأسباب تبدو واضحة إلى حد كبير.
فقد أرجع 44% من الذين لم يشتروا خلال موسم التخفيضات ذلك إلى نقص الإمكانيات، بينما قال 13% إنهم لم يجدوا الوقت، وأكد 13% آخرون أنهم لم يبرمجوا أصلاً للتسوق خلال هذه الفترة.
كما كشفت الدراسة أن 10% قاموا بالشراء عبر الإنترنت، وهو رقم كان محدوداً آنذاك، لكنه يعكس بداية تحول في سلوك المستهلك التونسي نحو التجارة الإلكترونية.
اليوم، وبعد سنوات من انتشار صفحات البيع عبر مواقع التواصل الاجتماعي وتطور الدفع عند التسليم، أصبح هذا العامل أكثر تأثيراً في سوق التخفيضات.
«تخفيضات تصل إلى 70%»… ولكن على ماذا؟
المشكلة الأكبر التي تواجه موسم التخفيضات في تونس لا تتعلق فقط بضعف القدرة الشرائية، وإنما أيضاً بأزمة الثقة.
فبعض المستهلكين يتهمون تجاراً برفع الأسعار قبل موسم التخفيضات ثم تخفيضها لاحقاً، بما يجعل نسبة التخفيض المعلنة لا تعكس بالضرورة تخفيضاً حقيقياً في السعر.
وهناك أيضاً محلات تعلن عن تخفيضات تصل إلى 70%، لكن عدد المنتجات المعنية فعلياً بهذه النسبة قد يكون محدوداً جداً، بينما تشمل النسبة الأكبر من السلع تخفيضات أقل بكثير.
كما يرى بعض المستهلكين أن عدداً من المحلات يستغل فترة التخفيضات لتصريف منتجات قديمة أو سلع لم تعد مطلوبة منذ سنوات، وهو ما يجعل «الصولد» في نظر البعض أقرب إلى عملية تصفية للمخزون منه إلى فرصة حقيقية للحصول على منتجات جيدة بأسعار مغرية.
هذه الممارسات، إن وجدت، تضر بصورة موسم التخفيضات وتعمق أزمة الثقة بين المستهلك والتاجر.
التخفيضات طوال السنة قتلت «الصولد»
هناك عامل آخر لا يقل أهمية: العروض الترويجية أصبحت حاضرة طوال السنة.
فالمستهلك التونسي لم يعد ينتظر شهر التخفيضات بالضرورة، إذ أصبحت العديد من المحلات والعلامات التجارية تعلن عن عروض ترويجية وتخفيضات في مناسبات مختلفة على مدار العام.
والأخطر أن بعض هذه العروض تسبق موسم التخفيضات بأيام، وهو ما يطرح تساؤلات حول جدوى انتظار المستهلك لموعد «الصولد» أصلاً.
وبذلك فقد موسم التخفيضات جزءاً من خصوصيته، بعدما أصبح المستهلك يرى التخفيضات في كل وقت تقريباً.
التجارة الإلكترونية منافس جديد
من جهة أخرى، أصبحت التجارة الإلكترونية منافساً حقيقياً للمحلات التقليدية.
فصفحات البيع على مواقع التواصل الاجتماعي، والمتاجر الإلكترونية التي تعتمد نظام الدفع عند التسليم، تمكنت من استقطاب عدد متزايد من المستهلكين.
صحيح أن هذا القطاع لا يخلو من الإشكاليات المتعلقة بجودة المنتجات ومصداقية بعض العروض، إلا أن عدداً من المتاجر الإلكترونية نجح في بناء قاعدة من الحرفاء وتقديم أسعار وعروض جذابة.
وهكذا أصبح المستهلك أمام خيارات جديدة لا تتطلب منه انتظار موسم التخفيضات أو التنقل بين المحلات.
لماذا تتغير مواعيد الصولد في تونس؟
من النقاط التي تطرح أيضاً إشكالاً مسألة تاريخ بداية موسم التخفيضات.
فالموعد ليس ثابتاً بشكل دائم، إذ يمكن أن يتغير من موسم إلى آخر. فتارة ينطلق يوم 7 أوت، وتارة في 25 أوت، وفي سنة أخرى في تاريخ مختلف.
وهذا الاختلاف لا يساعد على خلق عادة استهلاكية مستقرة لدى التونسي.
في المقابل، تعتمد بعض الأسواق، مثل السوق الفرنسية، على مواعيد أكثر وضوحاً واستقراراً لمواسم التخفيضات، وهو ما يسمح للمستهلكين والتجار بالاستعداد لها مسبقاً.
قانون يعود إلى 1998 أمام سوق تغيّر بالكامل
في النهاية، تبرز مشكلة أعمق: الإطار القانوني المنظم لموسم التخفيضات في تونس يعود إلى سنة 1998، أي إلى فترة كانت فيها طبيعة التجارة والاستهلاك مختلفة تماماً عن واقع اليوم.
فالسوق تغير، والتجارة الإلكترونية ظهرت بقوة، وسلوك المستهلك تغير، ووسائل الدفع والتسويق تطورت، فيما أصبحت العروض الترويجية جزءاً من الحياة التجارية اليومية.
لكن الإطار المنظم لمواسم التخفيضات لم يواكب بالقدر الكافي هذه التحولات.
«الصولد» التونسي… أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة أسعار
كل هذه العوامل تجعل السؤال مشروعاً:
هل لدينا فعلاً موسم تخفيضات بالمعنى الحقيقي للكلمة؟
فالمستهلك الذي لا يثق دائماً في الأسعار المعلنة لن يخصص ميزانية مسبقة للصولد، والتاجر الذي لا يجد إقبالاً قوياً لن يكون متحمساً لتقديم تخفيضات كبيرة وحقيقية.
وهكذا تدخل السوق في حلقة مفرغة: ضعف الثقة يؤدي إلى ضعف الإقبال، وضعف الإقبال يؤدي إلى تراجع حماس التجار، وتراجع العروض الحقيقية يزيد بدوره من عدم ثقة المستهلك.
كان من الممكن أن يكون موسم التخفيضات فرصة مهمة لتنشيط الاستهلاك، ومساعدة التجار على تجديد مخزوناتهم، وتوفير أسعار أفضل للمواطن، ودعم الدورة الاقتصادية.
لكن «الصولد» في تونس يبدو اليوم في حاجة إلى إعادة نظر شاملة: تحديث الإطار القانوني، تعزيز الرقابة على الأسعار، ضمان شفافية التخفيضات، تنظيم العروض الترويجية، ومواكبة تطور التجارة الإلكترونية.
فالمشكلة لم تعد في تحديد موعد بداية التخفيضات فقط، وإنما في سؤال أكبر بكثير:
















