بين حرارة قياسية وطلب غير مسبوق على الطاقة، وجدت المنظومة الكهربائية التونسية نفسها أمام اختبار صعب خلال الأيام الأخيرة، ما دفع إلى اللجوء إلى إجراء استثنائي يتمثل في “تخفيف الأحمال” أو الانقطاعات الدورية للتيار الكهربائي.
وأكد عضو الجامعة العامة للكهرباء والغاز عاطف بوعبد الله أن هذا الإجراء لم يكن خيارًا عاديًا، بل فرضته موجة الحر غير المسبوقة والارتفاع القياسي في استهلاك الكهرباء، مرجحًا عودة الوضع تدريجيًا إلى نسقه الطبيعي خلال الأيام القليلة المقبلة.
وأوضح أن انخفاض درجات الحرارة لا يعني عودة الشبكة إلى وضعها الطبيعي بشكل فوري، باعتبار أن تأثير موجة الحر يستمر على المنظومة، مشيرًا إلى أن استعادة التوازن تتطلب تراجع الحرارة بحوالي 10 درجات، وبعدها يمكن للشبكة استرجاع نسقها العادي خلال نحو 48 ساعة.
6000 ميغاواط… رقم قياسي يضغط على الشبكة
وكشف بوعبد الله أن الطلب على الكهرباء بلغ خلال هذا الصيف حوالي 6000 ميغاواط، مقابل قدرة إنتاج متاحة لا تتجاوز 4400 ميغاواط، وهو فارق كبير جعل التدخل عبر تخفيف الأحمال ضرورة لحماية الشبكة من الانهيار.
وأشار إلى أن استهلاك الصيف الماضي لم يتجاوز 5000 ميغاواط، ما يعني تسجيل زيادة بحوالي 1000 ميغاواط في سنة واحدة، نتيجة طول فترة الحر وارتفاع درجات الحرارة بشكل استثنائي، إلى جانب الاستعمال المكثف لمكيفات الهواء والأجهزة الكهربائية في نفس التوقيت.
لماذا لم تكفِ المساعدة الجزائرية؟
ورغم ارتباط تونس باتفاقية تبادل كهربائي مع الجزائر، فإن الضغوط الكبيرة التي تواجهها المنظومة الجزائرية خلال هذه الفترة حدّت من إمكانية توفير الكميات المعتادة من الكهرباء، والمقدرة بحوالي 300 ميغاواط.
تخفيف الأحمال… حماية من “السواد الشامل”
وشدد عاطف بوعبد الله على أن عمليات تخفيف الأحمال لا تتم بطريقة عشوائية، بل تخضع إلى إدارة دقيقة تهدف إلى حماية الشبكة الوطنية.
وأوضح وجود نوعين من هذه العمليات:
- تخفيف يدوي يتم وفق خطة مسبقة ومدروسة.
- تخفيف آلي يحدث تلقائيًا عند بلوغ الشبكة مستويات حرجة، بهدف تفادي انهيار شامل قد يؤدي إلى انقطاع عام للكهرباء خلال ثوانٍ.
وقال إن الهدف الأساسي هو “المحافظة على استقرار المنظومة الكهربائية” في ظل الظروف الاستثنائية الحالية.
نحو استثمارات بـ30 مليار دينار لتأمين المستقبل
وفي ما يتعلق بالمستقبل، أكد بوعبد الله أن تجاوز مثل هذه الأزمات يتطلب استثمارات كبرى لتطوير البنية التحتية الكهربائية وتعزيز قدرات الإنتاج، مقدرًا أن الحاجيات المالية قد تصل إلى حوالي 30 مليار دينار.
وبينما أثارت الانقطاعات الدورية استياء المواطنين في مختلف الجهات، تؤكد الشركة التونسية للكهرباء والغاز أن الإجراء يهدف إلى الحفاظ على سلامة وديمومة الشبكة، في انتظار تراجع موجة الحر واستعادة التوازن بين الإنتاج والاستهلاك.
ويبقى صيف 2026 محطة إنذار جديدة تؤكد أن معركة الطاقة في تونس لم تعد ظرفية، بل أصبحت رهانا استراتيجيا يحتاج إلى حلول طويلة المدى.
















