مع حلول العطلة الصيفية من كل سنة، تدخل تونس مرحلة استثنائية تتسم بارتفاع نسق النشاط الاقتصادي والتجاري والسياحي، تزامنًا مع عودة أعداد كبيرة من التونسيين المقيمين بالخارج، وتوافد السياح، وارتفاع حجم المبادلات المالية واستهلاك مختلف الخدمات. وفي خضم هذه الحركية، يبرز القطاع البنكي باعتباره أحد أهم المرافق التي تضمن انسيابية الدورة الاقتصادية، وهو ما يجعل من الضروري إعادة النظر في تنظيم العمل خلال هذه الفترة.
لقد أثبتت التجارب السابقة، التي تم خلالها اعتماد حصص الاستمرارية الصيفية بعدد من الفروع البنكية، نجاحها في تأمين الحد الأدنى من الخدمات الأساسية، والتخفيف من الاكتظاظ، وضمان استمرارية المعاملات البنكية دون انقطاع. وقد لاقت هذه التجربة استحسان المواطنين والمؤسسات والمهنيين، لما وفرته من مرونة واستجابة لحاجيات ظرفية تتكرر كل صيف.
واليوم، تبدو الحاجة إلى إعادة اعتماد هذا النظام أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالتونسيون المقيمون بالخارج ينجزون خلال فترة إقامتهم القصيرة في البلاد عددًا كبيرًا من العمليات البنكية، من تحويلات مالية وفتح حسابات واستخلاص قروض وتسوية وضعيات إدارية واستثمارية. كما تحتاج المؤسسات الاقتصادية والتجارية، وخاصة تلك الناشطة في القطاع السياحي، إلى خدمات بنكية متواصلة وسريعة لمواكبة نسق العمل المرتفع.
ولا تقتصر أهمية استمرارية الخدمات البنكية على راحة الحرفاء فحسب، بل تمتد إلى دعم الاقتصاد الوطني. فكل عملية بنكية تتم في وقتها تساهم في تسريع الدورة الاقتصادية، وتعزيز الاستثمار، وتشجيع الإنفاق، وتحسين مناخ الأعمال. وفي المقابل، فإن تعطيل الخدمات أو تقليصها قد يؤدي إلى تأخير معاملات مالية، وإرباك المؤسسات، وإهدار الوقت والجهد بالنسبة للمواطنين.
ومن جهة أخرى، فإن الرقمنة، رغم ما حققته من تطور في الخدمات البنكية، لا تزال غير قادرة على تعويض جميع العمليات التي تستوجب الحضور المباشر داخل الوكالات، سواء بالنسبة إلى الملفات المعقدة أو الخدمات التي تتطلب إمضاءات أو وثائق أو استشارات مباشرة مع الإطارات البنكية.
لذلك، فإن إعادة إقرار حصص الاستمرارية الصيفية لا ينبغي أن يُنظر إليها باعتبارها إجراءً استثنائيًا، بل كآلية تنظيمية تستجيب لخصوصية الموسم الصيفي، ويمكن برمجتها وفق رزنامة واضحة، مع توزيع الوكالات المشاركة جغرافيًا، بما يضمن التوازن بين استمرارية الخدمة واحترام حقوق الأعوان وظروف عملهم.
إن هذه المبادرة تستوجب تنسيقًا بين البنك المركزي التونسي، والجمعية المهنية التونسية للبنوك والمؤسسات المالية، وإدارات البنوك، لوضع خطة عملية تضمن توفير الخدمات البنكية الأساسية في مختلف الجهات، وخاصة بالمناطق السياحية والمدن التي تشهد كثافة في عودة التونسيين بالخارج.
لقد آن الأوان لإعادة إحياء هذه التجربة الناجحة، ليس من باب الحنين إلى الماضي، وإنما استجابة لمتطلبات الحاضر، وحرصًا على تطوير جودة الخدمات البنكية وتعزيز ثقة الحرفاء في مؤسساتهم المالية. فالقطاع البنكي ليس مجرد مؤسسات مالية، بل هو ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني، واستمرارية خدماته خلال الموسم الصيفي تمثل استثمارًا في الاقتصاد، وفي صورة تونس، وفي جودة المرفق البنكي الذي ينتظره المواطن والمستثمر على حد سواء.
عبداللطيف بن هدية

.jpg)














