في وقت تتصاعد فيه تداعيات التغيرات المناخية وتتعمق أزمة الشح المائي في تونس، بدأت البلاد تراهن بشكل متزايد على مورد كان يُنظر إليه سابقًا كعبء بيئي، ليصبح اليوم أحد أبرز أسلحة الصمود الزراعي: المياه المستعملة المعالجة.
هذا التوجه لم يعد مجرد خيار تقني، بل تحول إلى رهان استراتيجي وطني يهدف إلى حماية القطاع الفلاحي، دعم منظومات الإنتاج الحيواني، وتعزيز الأمن الغذائي في مواجهة موجات الجفاف المتسارعة.
وخلال يوم دراسي وطني خُصص لبحث سبل تثمين المياه المستعملة المعالجة في إنتاج الأعلاف، أكدت ممثلة Office National de l’Assainissement، سنية بوكاد، أن إعادة استخدام هذه الموارد باتت تمثل ركيزة أساسية في استراتيجية تونس للتكيف المناخي.
131 محطة تطهير… ومئات الملايين من الأمتار المكعبة
تكشف الأرقام حجم البنية التحتية التي تراهن عليها تونس في هذا المجال.
فبحلول سنة 2025، تمتلك البلاد 131 محطة تطهير موزعة بين 121 محطة حضرية و9 محطات ريفية ومحطة صناعية واحدة.
وتنتج هذه الشبكة نحو 311 مليون متر مكعب سنويًا من المياه المعالجة، وهو حجم ضخم يمكن أن يغير معادلة الموارد المائية في البلاد إذا تم استغلاله بكفاءة.
ويُعاد استعمال حوالي 66.15 مليون متر مكعب من هذه الكميات في مجالات متعددة تشمل ري الأشجار المثمرة، الزراعات الكبرى، إنتاج الأعلاف، المساحات الخضراء وحتى ملاعب الغولف.
تقنيات متطورة… لكن التحديات قائمة
يعتمد Office National de l’Assainissement على منظومة تقنية متنوعة لمعالجة المياه، تشمل تقنية الحمأة المنشطة، والأحواض الطبيعية المهوّاة وغير المهوّاة، إضافة إلى الأحواض المغروسة والسرير البكتيري.
كما تم تجهيز 38 محطة تطهير بوحدات معالجة ثلاثية تعتمد على المرشحات الرملية، والأشعة فوق البنفسجية، وأحواض النضج، بهدف رفع جودة المياه وضمان مطابقتها للمعايير الصحية والبيئية.
ورغم هذا التطور، لا تزال التحديات كبيرة.
29% من المياه غير مطابقة للمواصفات
المعطيات الرسمية تكشف أن 71% فقط من المياه المعالجة مطابقة للمواصفات، مقابل 29% غير مطابقة.
هذا الرقم يعكس وجود مشكلات هيكلية في بعض المحطات، خاصة تلك التي تعاني من تقادم التجهيزات، الضغط المفرط على الطاقة الاستيعابية، أو التلوث الصناعي العشوائي.
وهنا يكمن التحدي الحقيقي: ليس فقط إنتاج المياه المعالجة، بل ضمان جودتها وسلامة استخدامها.
من مياه الصرف إلى علف للماشية
أحد أهم التحولات التي تراهن عليها تونس اليوم هو دمج المياه المعالجة داخل دورة الإنتاج الفلاحي، خصوصًا في إنتاج الأعلاف.
هذه الخطوة قد تُحدث تحولًا اقتصاديًا كبيرًا، عبر:
- توفير موارد مائية إضافية للفلاحين
- تقليص كلفة إنتاج الأعلاف
- دعم الثروة الحيوانية
- تقوية الأمن الغذائي الوطني
كما بدأت بعض المؤسسات الصناعية بدورها في إدماج المياه المعالجة ضمن عمليات الإنتاج أو استغلالها لري المساحات التابعة لها، في مؤشر على صعود ثقافة الاقتصاد الدائري.
معركة البقاء في زمن الجفاف
اليوم، لم تعد قضية المياه في تونس مجرد ملف بيئي، بل أصبحت معركة سيادة وأمن قومي.
فبين تقلص الموارد التقليدية وارتفاع الطلب على المياه، تبرز المياه المستعملة المعالجة كأحد أكثر الحلول واقعية وفعالية.
الرسالة أصبحت واضحة:
مياه الصرف التي كانت تُهدر بالأمس… قد تكون غدًا مفتاح بقاء الفلاحة التونسية.
















