جاءت تصريحات وزير الطاقة الجزائري لتضع حدًا لموجة من الجدل المتصاعد حول طبيعة العلاقات الطاقية بين الجزائر وتونس، خاصة ما يتعلق بأسعار الغاز وشروط تزويده. فمع تزايد الضغوط الاقتصادية في تونس، انتشرت تأويلات تفيد بحصولها على الغاز الجزائري بأسعار تفضيلية أو حتى بشكل مجاني، وهو ما نفاه الوزير بشكل قاطع.
الرسالة الأساسية في التصريح كانت واضحة: الجزائر تعتمد في سياستها الطاقية على منطق السوق والعقود الدولية، دون استثناءات تمس جوهر التسعير. هذا الموقف يعكس حرص الجزائر على حماية توازناتها المالية، خاصة في ظل تقلبات أسواق الطاقة العالمية، ويؤكد أن مواردها الاستراتيجية تُدار وفق اعتبارات اقتصادية دقيقة، لا وفق منطق المجاملة السياسية.
في المقابل، لا يمكن فصل هذه التصريحات عن السياق الاقتصادي الذي تعيشه تونس. فالبلاد تواجه منذ سنوات صعوبات مالية متراكمة، من بينها ارتفاع عجز الميزانية، وتراجع احتياطي العملة الصعبة، إضافة إلى ضغوط متزايدة على منظومة الدعم والطاقة. في هذا الإطار، يصبح ملف التزود بالغاز مسألة حيوية تمس الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ورغم تأكيد الجزائر أن الأسعار المعتمدة هي أسعار السوق، فإنها أشارت في الوقت ذاته إلى وجود “تسهيلات” في التعامل مع تونس، مثل مرونة في آجال الدفع. هذه النقطة تحديدًا تحمل دلالات مهمة، إذ تعكس نوعًا من الدعم غير المباشر، الذي لا يظهر في السعر، بل في شروط السداد، وهو ما يمنح تونس هامشًا إضافيًا لإدارة أزمتها المالية دون الإخلال بالتزاماتها.
كما أن استمرار تدفق الغاز الجزائري نحو تونس دون انقطاع، حتى في الظروف الاستثنائية، يؤكد وجود بعد استراتيجي في هذه العلاقة، يتجاوز الحسابات التجارية البحتة. فالاستقرار الطاقي في تونس يُعد عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة ككل، وهو ما تدركه الجزائر جيدًا.
في المحصلة، تكشف تصريحات وزير الطاقة الجزائري عن معادلة دقيقة: التمسك الصارم بقواعد السوق من جهة، والحفاظ على علاقات تعاون مرنة مع تونس من جهة أخرى. وبين هذين البعدين، تتجلى طبيعة العلاقة بين البلدين، حيث تختلط المصالح الاقتصادية بالاعتبارات الجيوسياسية، في سياق إقليمي يتطلب قدرًا كبيرًا من التوازن والحذر.
















