أنهت وزارة الاقتصاد والتخطيط، بالتعاون مع المجالس الجهوية ومجالس الأقاليم وعدد من المتدخلين، إعداد مشروع مخطط التنمية للفترة 2026–2030، في مسار تشاركي انطلق منذ أفريل 2025. ووفق بلاغ رئاسة الحكومة، يرتكز المخطط على أربعة أهداف كبرى تشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، إضافة إلى الإصلاحات القانونية، بما يعكس توجهًا نحو إرساء نموذج تنموي أكثر شمولًا وعدالة.
أربعة مجالات كبرى وسيناريو تنموي طموح
يقوم سيناريو إعداد المخطط على أربعة مجالات رئيسية، ويهدف أساسًا إلى الارتقاء بنسق النمو إلى مستويات أعلى، من خلال دعم القطاعات ذات القيمة المضافة المرتفعة، وتعزيز الابتكار والبحث والتطوير، وتحفيز الاستثمار المنتج. ويُنتظر أن يسهم ذلك في تعزيز قدرة الاقتصاد الوطني على الصمود أمام الصدمات، وتحسين تنافسيته، وخلق فرص عمل لائقة، خاصة لفائدة الشباب وحاملي الشهادات العليا.
وفي بعده الاجتماعي، يسعى المخطط إلى تدعيم العدالة الاجتماعية عبر توسيع قاعدة المنتفعين بثمار النمو، وتقليص معدلات الفقر والهشاشة، وتعزيز منظومات الحماية الاجتماعية، وضمان تكافؤ الفرص في النفاذ إلى التعليم والصحة والشغل، بما يعزز التماسك الاجتماعي ويكرّس ثقة المواطن في سياسات الدولة.
أما على المستوى المجالي، فيولي المخطط أولوية لتوجيه الاستثمارات، وخاصة العمومية منها، نحو المناطق الأقل نموًا، مع التركيز على تطوير البنية التحتية وتحسين جودة الخدمات الأساسية، بهدف دفع التنمية المحلية، والحد من الفوارق الجهوية، وتعزيز جاذبية الجهات، وإرساء تنمية متوازنة تفضي إلى إحداث أقطاب نمو جديدة خارج المراكز التقليدية.
ويتمثل الهدف الرابع للمخطط في تنفيذ إصلاحات قانونية وهيكلية تضمن الانسجام بين الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمجالية، عبر اعتماد مقاربة شاملة وعادلة تستجيب إلى تطلعات المواطنين وتترجم انتظاراتهم.
منهجية تصاعدية ومشاركة موسّعة
اعتمدت وزارة الاقتصاد والتخطيط في إعداد المخطط منهجية تصاعدية، مدعومة بأربعة أدلّة مرجعية شملت إعداد مخططات التنمية المحلية والإقليمية والجهوية، إضافة إلى دليل خاص بتقارير السياسات العمومية المرتبطة بالمخطط. كما رافقت هذه العملية دورات تكوينية ونقاشات موسعة على المستويات المحلية والجهوية والإقليمية.
وقد شملت مرحلة الإعداد ملتقيات إقليمية في الأقاليم الخمسة، وأسفرت عن عقد 3317 جلسة عمل لـ279 مجلسًا محليًا، و154 جلسة عمل لـ24 مجلسًا جهويًا، و12 جلسة عمل لـ5 مجالس أقاليم، وهو ما اعتُبر مؤشرًا على جدية المقاربة التشاركية واحترام الآجال الزمنية المعلنة.
بين المخطط وقانون المالية: إشكالية الانسجام
يأتي الإعلان عن الملامح الكبرى لمخطط التنمية بعد عرض قانون المالية لسنة 2026، وفي ظل التحضير لمشروع قانون جديد للاستثمار. ورغم ذلك، يرى عدد من الخبراء أن نجاح تنفيذ قانون المالية يظل مشروطًا بوضوح التوجهات الواردة في المخطط، وتحديد المشاريع ذات الأولوية، ومدى توافق الميزانيات المرصودة لها مع الإمكانيات الفعلية للدولة ومقتضيات قانون المالية.
ويطرح هذا السياق تساؤلًا جوهريًا حول الآليات التي ستعتمدها الحكومة لضمان الانسجام بين مخطط التنمية وأولويات السياسة المالية، حتى لا يتحول المخطط إلى وثيقة طموحة من حيث الأهداف، محدودة من حيث التنفيذ.
هل ينجح المخطط دون إصلاحات جذرية؟
يثير متابعون للشأن الاقتصادي تساؤلات أعمق حول قدرة مخطط التنمية 2026–2030 على تحقيق أهدافه دون إصدار مجلة صرف جديدة وقانون استثمار ثوري ومحفّز. فغياب إصلاحات جريئة في هذين المجالين من شأنه أن يحدّ من قدرة الدولة على استقطاب الاستثمارات، وتوفير العملة الصعبة، ودمج الاقتصاد الموازي في الدورة الاقتصادية المنظمة.
ويرى هؤلاء أن تفعيل المخطط يتطلب مناخًا استثماريًا مستقرًا وواضحًا، وتشريعات مرنة تسهّل المبادرات، وتحدّ من التعامل النقدي خارج الأطر القانونية، وتدعم مساعي التنمية العادلة والمتوازنة.
انتظار الكشف عن التفاصيل
في انتظار عرض مشروع مخطط التنمية على أنظار مجلس الوزراء خلال الأيام القادمة، تتجه الأنظار إلى ما ستكشفه الحكومة من تفاصيل دقيقة تتعلق بالمشاريع المعتمدة، ومعايير الاختيار بين ما تم قبوله أو تأجيله، ومدى واقعية الأهداف المعلنة مقارنة بالقدرات المالية للدولة والتحديات الاقتصادية العالمية.
ويبقى الرهان الحقيقي لمخطط التنمية 2026–2030 ليس فقط في جودة إعداده أو شموليته، بل في قدرته على الانتقال من مستوى التخطيط إلى مستوى الإنجاز، ضمن انسجام فعلي مع قانون المالية، وإصلاحات تشريعية جريئة، تضمن تحويل الطموحات المعلنة إلى واقع ملموس على أرض الواقع.


















