شهدت سنة 2025 منعطفًا لافتًا في مسار السوق المالية التونسية، حيث نجحت بورصة تونس في تحقيق أداء استثنائي أعادها إلى واجهة النقاش الاقتصادي والاستثماري. ففي وقت ما تزال فيه المؤشرات الاقتصادية الكلية تواجه ضغوطًا واضحة، سجّلت البورصة واحدة من أفضل نتائجها التاريخية، مؤكدة قدرتها على لعب دور استباقي يعكس ثقة المستثمرين في الشركات المدرجة أكثر مما يعكس الوضع العام للاقتصاد.
أداء قياسي لمؤشر السوق
أغلق المؤشر المرجعي Tunindex سنة 2025 على ارتفاع يقارب 35%، متجاوزًا لأول مرة في تاريخه مستوى 13 ألف نقطة. هذا الإنجاز لم يكن نتيجة طفرة ظرفية، بل ثمرة مسار تصاعدي متواصل للسنة الخامسة على التوالي، ما يعكس تحسنًا تدريجيًا في ثقة المستثمرين وفي جاذبية الأسهم المدرجة، خاصة الكبرى منها.
الارتفاع لم يكن منتظمًا على امتداد السنة، بل مرّ بمحطات تصحيح وجني أرباح، غير أن الاتجاه العام ظل صعوديًا، مدعومًا بنشر نتائج مالية إيجابية وتزايد الإقبال على بعض القطاعات دون غيرها.
البنوك تقود المشهد
برز القطاع البنكي كأهم محرّك لأداء السوق خلال 2025. فقد استفادت البنوك المدرجة من بيئة نقدية تتسم بارتفاع نسب الفائدة، ما انعكس إيجابًا على هامش الربح، إضافة إلى تحسن نسبي في إدارة المخاطر وتراجع نسق تكوين الديون المشكوك في استخلاصها لدى بعض المؤسسات.
كما لعبت سياسات توزيع الأرباح دورًا محوريًا في استقطاب المستثمرين، خاصة الباحثين عن عائد مستقر في مناخ يتسم بندرة البدائل الاستثمارية. وبهذا المعنى، أعادت البورصة الاعتبار لدور البنك الشامل كركيزة للاستقرار المالي وكقيمة استثمارية طويلة الأمد.
الصناعة والاستهلاك: انتقائية السوق
إلى جانب البنوك، سجلت بعض المجموعات الصناعية وشركات الاستهلاك أداءً محترمًا، خاصة تلك التي نجحت في التحكم في كلفة الإنتاج والحفاظ على هوامش الربح رغم الضغوط التضخمية. في المقابل، لم يتسامح السوق مع الشركات التي تعاني من ضعف الحوكمة أو ارتفاع المديونية أو تراجع النشاط.
هذا السلوك يعكس تحولًا نوعيًا في عقلية المستثمر، حيث لم تعد الزيادة في رقم المعاملات وحدها كافية، بل أصبحت الصلابة المالية والشفافية عنصرين حاسمين في التقييم.
تحسن في السيولة… لكن التحديات قائمة
سجلت أحجام التداول خلال 2025 تحسنًا ملحوظًا مقارنة بالسنوات السابقة، مع ارتفاع متوسط التداول اليومي وعودة تدريجية لنشاط المستثمرين الأفراد وبعض المؤسسات. غير أن هذا التحسن بقي محدود العمق، إذ ما تزال نسبة كبيرة من المبادلات متركزة على عدد ضيق من الأسهم.
كما أن حضور المستثمر الأجنبي ظل انتقائيًا وحذرًا، مرتبطًا أساسًا ببعض القيم الكبرى، وهو ما يبرز الحاجة إلى توسيع قاعدة السوق وتنويع الأدوات المالية المعروضة.
مفارقة السوق والاقتصاد
تكمن خصوصية سنة 2025 في المفارقة الواضحة بين أداء بورصي قوي وواقع اقتصادي لا يزال هشًا. فالنمو بقي دون الطموحات، والمالية العمومية واصلت التعرض للضغوط، في حين ظل مناخ الأعمال في حاجة إلى إصلاحات هيكلية أعمق.
ومع ذلك، راهنت السوق المالية على قدرة المؤسسات الكبرى على الصمود والتأقلم، وعلى عودة تدريجية للتوازنات الاقتصادية. وهو رهان يعكس وظيفة البورصة كأداة استشرافية أكثر منها مرآة آنية للاقتصاد.
آفاق ما بعد 2025
بعد سنة استثنائية، تتجه الأنظار إلى 2026 التي تبدو سنة اختبار حقيقي لقدرة السوق على تثبيت مكاسبها. فاستدامة الأداء تظل رهينة:
• تكثيف عمليات الإدراج في البورصة،
• توسيع قاعدة المستثمرين،
• تطوير أدوات مالية جديدة،
• وتعزيز الحوكمة والشفافية.أثبتت بورصة تونس في 2025 أنها قادرة على استعادة الثقة وجذب الاهتمام، رغم السياق العام الصعب. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق أرقام قياسية، بل في تحويل السوق المالية إلى رافعة فعلية لتمويل الاستثمار ودعم الاقتصاد الحقيقي.
بورصة قوية خطوة أولى، لكن سوقًا عميقة وشاملة هي الهدف المنشود.

















