لم يكن الإعلان عن الدورة الستين لمهرجان الحمامات الدولي مجرد كشف عن برنامج فني جديد بل كان مناسبة لاستحضار ستة عقود من تاريخ واحد من أعرق المهرجانات الثقافية في تونس والعالم العربي فخلال الندوة الصحفية التي عقدتها الهيئة المديرة اختارت إدارة المهرجان أن ترفع شعار “ذاكرة تعيش” في رسالة تؤكد أن هذا الموعد الثقافي لم يكن يومًا مجرد سلسلة من العروض بل فضاءً لصناعة الذاكرة الفنية وملتقى للحوار بين الثقافات والأجيال.
وأكد مدير المهرجان نجيب الكسراوي أن الدورة الستين تأتي برؤية ثقافية جديدة تقوم على المحافظة على الهوية التاريخية للمهرجان مع تعزيز انفتاحه على الفضاءين العربي والإفريقي وترسيخ حضوره داخل المشهد الثقافي المتوسطي والدولي. وأضاف أن البرمجة لهذا العام تعكس هذا التوجه من خلال استضافة أسماء فنية من تونس ومن مختلف أنحاء العالم بما يجعل من الحمامات منصة لتلاقي التجارب والإبداعات الموسيقية والمسرحية المعاصرة.
وأشار الكسراوي إلى أن إدارة المهرجان عملت على تطوير شبكة شراكاتها الدولية عبر التعاون مع عدد من المؤسسات الثقافية الأجنبية من بينها المركز الثقافي الإسباني والمركز الثقافي الإيطالي وسفارة إسبانيا بتونس وهي شراكات تهدف إلى تعزيز التبادل الثقافي وفتح آفاق جديدة أمام الفنانين والجمهور وترسيخ المكانة الدولية التي اكتسبها مهرجان الحمامات على امتداد ستين عامًا.
وتضم برمجة الدورة الجديدة 32 عرضًا تتوزع بين 27 سهرة موسيقية وأربعة عروض مسرحية إضافة إلى عرض كوريغرافي في برنامج يجمع بين الموسيقى الكلاسيكية والعالمية والإيقاعات الشبابية والجاز والهيب هوب والموسيقى البديلة إلى جانب أعمال تستلهم التراث وتعيد تقديمه بروح معاصرة.
وتحضر تونس بقوة في هذه الدورة من خلال مشاركة نخبة من الفنانين والمبدعين إلى جانب أسماء عربية وإفريقية وعالمية بما يعكس الرغبة في تقديم برمجة متوازنة تراعي مختلف الأذواق وتفتح المجال أمام لقاءات فنية غير مسبوقة بين مدارس موسيقية وثقافات متعددة.
ومن أبرز خصوصيات الدورة الستين الاحتفاء بالمرأة التونسية حيث اختارت إدارة المهرجان أن تمنحها موقعًا رمزيًا في محطتي الافتتاح والاختتام وستفتتح فعاليات المهرجان المخرجة وفاء الطبوبي من خلال عرض مسرحيتها “الهاربات” فيما تختتم الفنانة صوفية صادق ليالي الدورة في رسالة تؤكد المكانة التي تحتلها المرأة في المشهد الثقافي والإبداعي التونسي.
وأوضح مدير المهرجان أن هذا الاختيار لم يكن مجرد صدفة أو مجاملة بل يندرج ضمن رؤية تسعى إلى تكريم المرأة التونسية باعتبارها شريكًا أساسيًا في صناعة الثقافة والفنون وإبراز مساهمتها في تطوير المسرح والموسيقى والإبداع على امتداد عقود.
وستحمل الدورة جمهورها في رحلة موسيقية متنوعة من الموسيقى العالمية إلى الأغنية العربية مرورًا بالإيقاعات الإفريقية الحديثة حيث سيكون الجمهور على موعد مع الفنان المالي ساليف كيتا أحد أبرز رموز موسيقى “الأفروبوب”، إلى جانب الفنانة المغربية نجاة عتابو فضلاً عن عروض تجمع بين الأداء الأوركسترالي والروح الشبابية مثل المشاريع الموسيقية للفنانين سليم عرجون ونور عرجون إضافة إلى عروض الهيب هوب التونسي وموسيقى العالم.
وعلى مستوى المؤشرات التنظيمية كشف نجيب الكسراوي أن عملية بيع التذاكر شهدت منذ انطلاقها نسقًا تصاعديًا غير مسبوق حيث شمل الإقبال أغلب العروض ولم يقتصر على أسماء بعينها مؤكدًا أن الأرقام المسجلة إلى حد الآن تفوقت على مبيعات الدورة الماضية وهو ما يعكس ثقة الجمهور في اختيارات المهرجان وبرمجته الفنية.
ورغم محدودية الطاقة الاستيعابية لمسرح الحمامات فإن إدارة المهرجان تراهن على حسن استثمار الموارد الذاتية إلى جانب مساهمة الشركاء والمستشهرين لضمان استمرارية هذا المشروع الثقافي. وقد بلغت ميزانية الدورة الحالية حوالي 1.6 مليون دينار، وهي ميزانية حافظت على استقرارها مقارنة بالسنوات الأخيرة مع الحرص على توجيه الجزء الأكبر منها لتحسين جودة البرمجة والإنتاج الفني.
واعتبر الكسراوي أن الاحتفال بمرور ستين عامًا على تأسيس مهرجان الحمامات الدولي ليس مجرد مناسبة لاستذكار الماضي بل يمثل فرصة لإعادة التفكير في مستقبل هذا الصرح الثقافي الذي ظل منذ انطلاقه أحد أبرز الجسور التي تربط تونس بمحيطها العربي والإفريقي والمتوسطي ومنصة احتضنت كبار الفنانين العالميين وأسهمت في اكتشاف أجيال جديدة من المبدعين.
وبين الوفاء لذاكرة ستة عقود من الإبداع والطموح إلى بناء مستقبل أكثر انفتاحًا تبدو الدورة الستون لمهرجان الحمامات الدولي محطة مفصلية في تاريخ هذه التظاهرة تؤكد أن الثقافة ليست مجرد عروض تُقدَّم على الركح بل مشروع حضاري متجدد يواصل كتابة فصوله عامًا بعد آخر ليبقى مهرجان الحمامات أحد أبرز عناوين الإشعاع الثقافي التونسي في العالم.
ايمان مهني

.jpg)














