في مشهد يجمع بين الألم والأمل، تبدأ مدينة حلب السورية رحلة بطيئة لإعادة إحياء قلبها التاريخي، بعد سنوات من الدمار الذي طال معالمها وأسواقها العريقة خلال الحرب الممتدة بين عامي 2012 و2016، إضافة إلى الأضرار التي خلّفها زلزال عام 2023.
وتُعد حلب، العاصمة الاقتصادية لسوريا، واحدة من أقدم المدن المأهولة في العالم، حيث لطالما شكّلت أسواقها وقلعتها ومعالمها التاريخية مركزاً حضارياً وتجاريّاً مهماً في المنطقة.
أسواق تاريخية دفعت ثمن الحرب
تعرضت المدينة القديمة في حلب لدمار واسع خلال المواجهات بين قوات المعارضة والنظام السوري المدعوم من روسيا، ما أدى إلى تضرر أو تدمير أجزاء كبيرة من البنية التراثية.
وبحسب منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو)، فإن أكثر من 60% من أسواق حلب التاريخية، المدرجة على قائمة التراث العالمي، تضررت أو دُمّرت خلال سنوات الحرب.
وكانت هذه الأسواق تمتد على نحو 14 كيلومتراً، وتضم أكثر من أربعة آلاف متجر ونحو خمسين خاناً تجارياً، ما يجعلها من أكبر وأهم الأسواق التقليدية في العالم.
زلزال 2023 يزيد الجراح
ولم تتوقف معاناة المدينة عند الحرب، إذ جاء زلزال عام 2023 ليضيف أضراراً جديدة إلى المدينة القديمة، متسبباً في انهيار أجزاء إضافية من الأبنية التاريخية المتبقية، ومفاقماً هشاشة البنية التحتية للمدينة.
هذا التراكم من الكوارث جعل عملية إعادة الإعمار أكثر تعقيداً، خصوصاً في المناطق الأثرية التي تتطلب ترميماً دقيقاً يحافظ على الطابع التاريخي.
عودة تدريجية للحياة إلى الأسواق
رغم حجم الدمار، بدأت ملامح الحياة تعود تدريجياً إلى بعض أحياء المدينة القديمة، حيث عاد عدد من التجار لفتح محلاتهم في الأسواق التاريخية، في محاولة لإحياء الحركة التجارية التي كانت يوماً ما قلب المدينة النابض.
ويعكس هذا التحرك رغبة السكان في استعادة جزء من حياتهم اليومية، رغم الظروف الصعبة والتحديات الاقتصادية والإنشائية الكبيرة.
قلعة حلب تفتح أبوابها مجدداً
في خطوة رمزية تحمل دلالات ثقافية وتاريخية، أعادت قلعة حلب، إحدى أبرز معالم المدينة، فتح أبوابها أمام الزوار بعد فترة من الإغلاق والتضرر.
وتُعد القلعة من أقدم وأهم الحصون في العالم، وتشكل رمزاً لصمود المدينة عبر آلاف السنين، ما يجعل إعادة فتحها علامة فارقة في مسار التعافي التدريجي.
إعادة الإعمار… بين الطموح والتحديات
تواجه جهود إعادة بناء حلب تحديات كبيرة، من بينها التمويل، وحجم الدمار، والحاجة إلى خبرات متخصصة في ترميم التراث العالمي، إلى جانب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها البلاد.
ورغم ذلك، يرى سكان المدينة أن عودة الأسواق وفتح المعالم التاريخية تمثل بداية طريق طويل نحو استعادة هوية المدينة التي لطالما كانت مركزاً حضارياً واقتصادياً بارزاً في المنطقة.
مدينة تحاول النهوض من جديد
بين أنقاض الحرب وندوب الزلزال، تحاول حلب أن تعيد صياغة صورتها، مستندة إلى تاريخها العريق وإرادة سكانها الذين يتمسكون بالأمل في مستقبل أكثر استقراراً.
وفي الوقت الذي لا تزال فيه التحديات كبيرة، تبدو المدينة كأنها تنفض غبار سنوات من الدمار، لتستعيد شيئاً فشيئاً مكانتها كأحد أهم المراكز التاريخية في العالم.
















