حنان العبيدي
في ظل التحولات المتسارعة التي يعرفها الاقتصاد التونسي، يبرز التمويل التشاركي كأحد النماذج الحديثة القادرة على إعادة تشكيل العلاقة بين المجتمع والمبادرات الاقتصادية. فهذا النموذج لا يقتصر على كونه بديلاً تمويلياً، بل يعكس توجهاً جديداً يقوم على إشراك الأفراد في دعم المشاريع ذات القيمة، وترسيخ ثقافة التضامن والاستثمار الجماعي.
وفي هذا الإطار، تمثل منصة “Cnbees” نموذجاً عملياً لهذا التحول، حيث تسعى إلى فتح آفاق جديدة أمام الشباب وأصحاب المشاريع، عبر تمكينهم من تحويل أفكارهم إلى مبادرات واقعية في بيئة أكثر شمولاً واستدامة.
ويؤكد جوهر المغيربي أن التمويل التشاركي يقوم أساساً على قوة المجتمع، إذ يمكن لكل مساهم أن يوسّع دائرة الدعم من خلال شبكته، مما يسرّع من نسق التمويل ويزيد من فرص نجاح المشاريع. كما يتيح هذا النموذج فرصاً مهمة للشركات الأهلية، خاصة في ظل الحوافز الجبائية التي تم إقرارها لدعم هذا النوع من المبادرات.
ويضيف أن المنصات الرقمية المعتمدة في هذا المجال تعتمد أعلى درجات الشفافية، من خلال تتبع مسار الأموال ومجالات صرفها، وهو ما يعزز ثقة المستخدمين ويكرّس مصداقية هذا التوجه الجديد.
ومن جانبه، أوضح المغيربي، بصفته المدير التنفيذي ومؤسس “Cnbees”، أن هذه المنصة تمثل خطوة نوعية نحو إرساء ثقافة اقتصادية قائمة على المشاركة المجتمعية، مشيراً إلى أنها حصلت على الترخيص الرسمي لممارسة نشاطها في التمويل عبر التبرعات والهبات، ما يتيح للشباب والمبتكرين فرصة حقيقية لتجسيد أفكارهم.
وأشار إلى أن التمويل التشاركي لم يعد مجرد أداة بديلة، بل أصبح يعكس تحولاً في العقليات نحو نموذج اقتصادي قائم على التضامن، وقادر على خلق ديناميكية جديدة تدعم التنمية المستدامة.
وفي سياق متصل، شدّد على أن “Cnbees” لا تقتصر على كونها منصة رقمية، بل تمثل رؤية متكاملة تهدف إلى إعادة تعريف علاقة المجتمع بالمشاريع، من خلال إشراك الأفراد في تمويل المبادرات منذ مراحلها الأولى، بما يساهم في دعم المشاريع الصغرى والناشئة والمبادرات ذات الأثر الاجتماعي والبيئي.
كما تسعى المنصة إلى الانفتاح على الوسط الجامعي، بهدف تعزيز ثقافة التمويل التشاركي لدى الطلبة والباحثين، وخلق فرص جديدة للتشغيل والتفاعل مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين.
ويبرز هذا النموذج كفرصة حقيقية للمشاريع التي تعاني من صعوبات في النفاذ إلى التمويل التقليدي، حيث يقوم على مبدأ بسيط يتمثل في عرض فكرة المشروع على المجتمع، وإقناع الأفراد بقيمتها، ليصبحوا داعمين لها مادياً ومعنوياً.
وفي هذا السياق، تعمل المنصة على توفير بيئة رقمية آمنة وشفافة تضمن حسن سير العمليات، إلى جانب تطوير سوق افتراضية تربط بين أصحاب المشاريع والمستهلكين، بما يعزز استدامة هذه المبادرات.
كما يساهم التمويل التشاركي في دفع عجلة التنمية المحلية، خاصة في الجهات الداخلية، من خلال تحويل روح التضامن إلى قوة استثمارية جماعية. وقد شملت المبادرات الميدانية للتعريف بهذا النموذج عدداً من الولايات، حيث تم تنظيم ورشات ومسابقات أفرزت عشرات المشاريع التي تم عرضها للتقييم المجتمعي قبل تمويلها.
ويرى المغيربي أن هذا التوجه يمكن أن يحدث نقلة نوعية في الاقتصاد التونسي، خاصة إذا تمكّن من استقطاب عدد واسع من المشاركين، بما يسمح بتمويل مشاريع كبرى اعتماداً على مساهمات صغيرة من عدد كبير من الأفراد.
كما يؤكد أن المنصة تضمن مستوى عالياً من الأمان والشفافية، من خلال خضوعها لرقابة الجهات المختصة واعتمادها على حلول تكنولوجية متطورة لحماية المعطيات والعمليات المالية.
ولا يقتصر نطاق التمويل التشاركي على فئة معينة، بل يشمل مختلف المبادرات، من المشاريع الصغرى إلى الشركات الأهلية، مروراً بالمشاريع ذات البعد البيئي والاجتماعي، مما يجعله أداة فعالة لدعم الابتكار وخلق فرص العمل.
في المحصلة، يتجاوز التمويل التشاركي كونه مجرد وسيلة تمويل، ليصبح نموذجاً اقتصادياً واجتماعياً جديداً يعزز دور المواطن في دعم المشاريع وخلق الثروة. ومع بروز منصات مثل “Cnbees”، تبرز أمام تونس فرصة حقيقية لبناء اقتصاد أكثر شمولاً، يقوم على الثقة والتضامن والابتكار.

.jpg)














