تتجاوز الأزمة التي تعيشها اليوم الاتحاد الدولي للبنوك مجرد خلاف داخلي حول الحوكمة، لتكشف عن تحوّل أعمق في طبيعة دور البنوك التابعة لمجموعات دولية داخل الاقتصادات الناشئة. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بإدارة مؤسسة مالية، بل بإعادة تعريف موقعها: هل هي بنك يخدم الاقتصاد الوطني أم مجرد حلقة ضمن محفظة دولية؟
سيطرة ناعمة… ولكن شاملة
قام المساهم المرجعي، بإعادة تشكيل عميقة لمنظومة الحوكمة داخل فرعه التونسي. من الناحية الشكلية، كل الإجراءات تبدو قانونية: تعديل قواعد الحوكمة، إعادة تركيبة مجلس الإدارة، وضبط آليات اتخاذ القرار.
لكن في الواقع، أدت هذه التغييرات إلى تركيز غير مسبوق للسلطة، حيث أصبح بإمكان المساهم الرئيسي التحكم شبه الكامل في قرارات البنك، بما في ذلك تعيين أغلبية أعضاء مجلس الإدارة.
الأخطر من ذلك هو إقصاء أطراف تونسية تاريخية من مجلس الإدارة، وهو ما يمثل قطيعة مع التوازن السابق، ويؤشر إلى انتقال البنك من منطق الشراكة المحلية إلى منطق التحكم المركزي.
القانون كأداة… لا كحدّ
الإشكال المطروح اليوم ليس قانونيًا بحتًا، بل هو إشكال سيادي واستراتيجي.
فكل ما يحدث يتم ضمن الأطر القانونية. لا توجد خروقات واضحة. ومع ذلك، يبرز شعور قوي بوجود فرض أمر واقع بأساليب قانونية، حيث تتحول الشرعية إلى وسيلة لإضفاء الطابع الرسمي على اختلال التوازن.
هذه الحالة تعكس حقيقة معروفة في الأسواق المالية: القانون يمنع التجاوزات الصريحة، لكنه لا يمنع الهيمنة الناعمة.
حوكمة تحت التأثير
ما يحدث اليوم داخل البنك يعكس تحولًا في طبيعة القرار.
• تصاعد دور الكفاءات الأجنبية
• تراجع حضور الخبرات المحلية
• مركزية القرار خارج السياق الوطني
وهو ما يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن لبنك أن يمول الاقتصاد المحلي بفعالية إذا كانت قراراته الاستراتيجية تُصاغ خارج حدوده؟
جرس إنذار من المرصد
في هذا السياق، يأتي بيان المرصد التونسي للخدمات المالية ليعزز هذا القلق.
حيث حذر المرصد من عدة مخاطر بنيوية، من بينها:
• التبعية التكنولوجية المتزايدة للأنظمة الأجنبية
• هشاشة منظومة الدفع الإلكتروني
• التطبيق الآلي للمعايير الدولية دون مراعاة الخصوصيات الوطنية
• تنامي تأثير الأطراف الأجنبية في دوائر القرار
وأكد بشكل واضح على ضرورة الحفاظ على استقلالية القرار الوطني داخل المؤسسات المالية، خاصة على مستوى مجالس الإدارة.
دور الهيئات الرقابية
تجد كل من البنك المركزي وهيئة السوق المالية نفسيهما أمام اختبار حقيقي: هل تكتفيان بضمان احترام النصوص؟ أم تتدخلان لحماية توازن المنظومة المالية؟ فالمسألة لم تعد تخص بنكًا واحدًا، بل تمس ثقة السوق واستقرار القطاع بأكمله.
مسألة سيادة اقتصادية
تكشف هذه الأزمة عن حقيقة جوهرية:
السيادة المالية لا تُفقد دفعة واحدة، بل تتآكل تدريجيًا.
من خلال قرارات قانونية ومتفرقة، يمكن أن يتحول بنك محلي:
• من فاعل في التنمية الاقتصادية
• إلى مجرد أداة ضمن استراتيجية دولية
ما يحدث اليوم داخل UIB ليس مجرد أزمة حوكمة، بل هو مؤشر على تحول أعمق في علاقة المؤسسات المالية بالسيادة الوطنية.
السؤال الحقيقي ليس: هل هذا قانوني؟ بل: هل هذا يخدم مصلحة الاقتصاد التونسي؟
بين الشرعية القانونية والمشروعية الاقتصادية، تتحدد ملامح المرحلة القادمة.
















