تواصلت بمدينة الحمامات فعاليات الدورة التاسعة للجامعة الصيفية للقطاع المالي، التي تنظمها الجمعية التونسية للنهوض بالثقافة المالية، لتشكل على مدار ثلاثة أيام فضاءً حوارياً واستراتيجياً رفيع المستوى يجمع كبار الفاعلين والخبراء والقيادات المصرفية من تونس وخارجها. وقد اتخذت هذه الدورة من مسألة “إعادة التفكير في نموذج أعمال البنوك التونسية” محوراً رئيسياً للنقاش، في ظرفية اقتصادية عالمية ووطنية تتسم بالتحولات المفصلية والتحديات المتزايدة التي فرضت إعادة تقييم شاملة لأداء المنظومة المالية ومدى قدرتها على الاستجابة لمتطلبات المرحلة.
تحول هيكلي واضطرار وجودي: لماذا لم يعد النموذج التقليدي قابلاً للاستمرار؟
تجاوزت نقاشات الجامعة الصيفية حدود التشخيص التقليدي لتلمس مكامن الخلل الهيكلي الذي يواجه القطاع البنكي التونسي اليوم؛ إذ أجمعت المداخلات على أن الاعتماد على الأساليب المصرفية النمطية لم يعد يضمن الاستدامة ولا يحقق النجاعة المرجوة. فالضغوطات المتزايدة الناجمة عن التقلبات الاقتصادية الكلية، وارتفاع كلفة الطاقة، والتضخم، إلى جانب اشتداد المنافسة مع دخول فاعلين جدد يعتمدون على الحلول المالية المبتكرة والدفع الإلكتروني، فرضت حتمية التغيير السريع. إن إعادة بناء نموذج الأعمال ليست مجرد خيار ترفي أو تحسينات شكليّة، بل هي رهان وجودي يتطلب استباقية عالية من المؤسسات البنكية لخلق القيمة المضافة وابتكار فرس نمو جديدة تضمن ربحيتها واستقرارها في سوق مالية شديدة التغير.
من التمويل المنفعل إلى صناعة الفرص: الرؤية الاستباقية لبنك الغد
شهدت الفعاليات تحولاً مفهوماً هاماً يتعلق بالدور المجتمعي والاقتصادي للبنوك، حيث شدد الخبراء على ضرورة الانتقال من دور “الممول المنفعل” الذي يكتفي بانتظار اكتمال الملفات والمشاريع الجاهزة لتمويلها، إلى دور “صانع فرص التمويل”. ويقتضي هذا المسار الاستباقي التغلغل في نسيج الاقتصاد الوطني لمواكبة التحولات التكنولوجية وتطوير منتجات مالية مصممة خصيصاً لمرافقة المؤسسات والمواطنين. وفي هذا الصدد، جرى تسليط الضوء على أهمية الموازنة بين متطلبات “البنك المواطن” الذي يراعي الرهانات الاجتماعية والتنموية، وبين الاستجابة لشروط الحوكمة الرشيدة والتحكم الصارم في المخاطر للارتقاء بمؤشرات السلامة المالية للنظام المصرفي ككل.
الذكاء الاصطناعي والرقمنة: أدوات كسر التعقيد وبناء التجربة المصرفية الحديثة
شكلت التكنولوجيا الحديثة والذكاء الاصطناعي المحرك الأساسي لأغلب الجلسات التحليلية، حيث عُدَّا حجر الزاوية في إعادة صياغة الخدمات البنكية وتطوير تجربة الحرفاء. ولم تقتصر الرؤى على الجانب النظري، بل تجسدت في استعراض نماذج عملية ملهمة، كعرض تجربة إحدى المؤسسات الناشئة التي طورت منصة رقمية متكاملة تهدف إلى تسريع وتسهيل إجراءات إسناد القروض. وتكتسي هذه الحلول الرقمية أهمية بالغة في الواقع الحالي، خاصة وأنها تأتي لتستجيب لمتطلبات التغيرات التشريعية الأخيرة المتعلقة بقانون الشيكات، وتتيح للمواطنين والمؤسسات النفاذ إلى التمويلات بأساليب مرنة وسلسة تتجاوز التعقيدات والمسالك التقليدية المعقدة التي طالما عطلت دفع عجلة الاستثمار.
تكامل القطاعات والاستشراف المالي: خارطة طريق لإصلاح شامل ومستدام
توجت أعمال التظاهرة بقراءة استشرافية شاملة جمعت مختلف الفاعلين في القطاع؛ حيث قدم رؤساء ومدراء عامون يمثلون البنوك العمومية، البنوك الخاصة ذات رأس المال الوطني والدولي، والمؤسسات المصرفية الإسلامية، رؤاهم حول استراتيجيات التحول الخاصة بكل صنف من المؤسسات. وخلصت النقاشات إلى أن إصلاح النموذج المصرفي لا يمكن أن ينجح بمعزل عن تنويع مصادر الدخل، وتفعيل أدوات الائتمان الحديثة، وتسريع استخلاص الديون المتعثرة، فضلاً عن توسيع نطاق خدمات الاستشارة والمرافقة الاقتصادية. وتؤكد الجامعة الصيفية في اختتام دورة هذا العام أن تحديث القطاع المالي وتطوير أدواته ليس فقط شرطاً لتعزيز تنافسية البنوك، بل هو الركيزة الأساسية لدعم الاقتصاد الوطني وتثبيت دعائم الاستقرار المالي في تونس.
بـلال بـوعـلـي