لم تكن امسية الأحد في ملعب حمادي العقربي برادس مجرد افتتاح لموسم جديد من بطولة الرابطة المحترفة الأولى، بل كانت مواجهة تحمل كل مقومات الكلاسيكو الحقيقي: ندية، تقلبات، أهداف، أخطاء دفاعية، تألق فردي، وعودة مثيرة في النتيجة.
وفي النهاية، خرج الترجي الرياضي منتصرًا على النجم الساحلي بنتيجة 3-2، لكن الانتصار لم يكن سهلًا على الإطلاق، بل احتاج إلى شخصية قوية ورد فعل متأخر من أبناء باب سويقة. حرارة خانقة… والسؤال المشروع: لماذا اللعب في هذا التوقيت؟ قبل الحديث عن الجوانب الفنية، لا يمكن تجاهل الظروف التي دارت فيها المباراة.
فقد لعب الفريقان في أجواء حرارية صعبة للغاية، وهو ما جعل نسق المباراة يتأثر في فترات عديدة. والأهم أن الأمر لم يكن مفاجئًا. فالترجي كان قد طالب رسميًا بتأخير انطلاق المباراة من الساعة الرابعة والنصف إلى السادسة مساءً بسبب درجات الحرارة المرتفعة، كما تقدّم النجم الساحلي بطلب مماثل. ورغم ذلك، بقيت المباراة في توقيتها الأصلي. وكانت التوقعات تشير إلى نحو 34 درجة في رادس عند موعد اللقاء، في وقت كانت فيه تونس تعيش موجة حر تجاوزت المعدلات العادية بـ6 إلى 10 درجات في عديد المناطق. وهنا يطرح الجمهور سؤالًا مشروعًا: لماذا الإصرار على لعب مباريات البطولة في مثل هذه الظروف؟ صحيح أن كرة القدم الاحترافية تتطلب الجاهزية في مختلف الظروف، لكن سلامة اللاعبين تبقى أولوية، خصوصًا في مباراة افتتاحية تجمع فريقين من أكبر أندية تونس. الترجي… بداية قوية ثم تراجع كاد يكون مكلفًا دخل الترجي المباراة بشكل أفضل، وفرض شخصيته منذ البداية، مع ضغط متقدم واستحواذ واضح على الكرة. وتمكن محمد الحاج محمود من افتتاح التسجيل في الدقيقة 15، وهو هدف أكد أفضلية الترجي في بداية اللقاء. لكن المشكلة أن الترجي لم ينجح في تحويل أفضليته إلى فارق مريح.
الفريق صنع فرصًا وكان بإمكانه تسجيل هدف ثانٍ، إلا أن بعض القرارات الهجومية افتقدت للتركيز، في حين ظهرت بعض الثغرات في التغطية الدفاعية. ومع مرور الوقت، بدأ الإرهاق يلعب دوره، خاصة في ظل الحرارة العالية. وفي الشوط الثاني انقلبت الصورة تمامًا. النجم عاد بقوة، وتمكن أشرف بو ضياف من تعديل النتيجة من ركلة جزاء، قبل أن يضيف أسامة عبيد الهدف الثاني في الدقيقة 60/61، ليجد الترجي نفسه متأخرًا بنتيجة 1-2. وهنا ظهر الاختبار الحقيقي لفريق المدرب لورينتسو ريجيكامب.
ريجيكامب… تغييرات حاسمة أنقذت الموقف الترجي لم يكن في أفضل حالاته بعد هدف النجم الثاني، وكان واضحًا أن الفريق فقد جزءًا من السيطرة التي امتلكها في بداية اللقاء. لكن المدرب الروماني تحرك في الوقت المناسب، وأجرى سلسلة من التغييرات، أبرزها دخول معز الحاج علي، أشرف الجبري وعبد الرحمن كوناتي، وهي تغييرات أعادت الحيوية إلى الخط الأمامي ومنحت الترجي سرعة أكبر في التحولات والضغط على دفاع النجم. وهنا تحديدًا ظهرت قيمة دكة البدلاء. فبعد أن بدا الترجي عاجزًا عن قلب المعطيات، جاءت التغييرات لتصنع الفارق. وفي الدقيقة 75، كان أشرف الجبري وراء فرصة مهمة، قبل أن تصل الكرة إلى معز الحاج علي الذي عدّل النتيجة. وبعد سبع دقائق فقط، عاد الحاج علي مرة أخرى ليضع الترجي في المقدمة، مستغلًا خطأ دفاعيًا في إخراج الكرة، فسدد في الشباك الخالية وأشعل مدرجات رادس. معز الحاج علي كان رجل التحول الحقيقي في المباراة.
دخل في توقيت حساس، وغيّر شكل الهجوم، ثم سجل هدفين قلب بهما نتيجة الكلاسيكو. وماذا عن يوسف البلايلي؟ يوسف البلايلي بدأ المباراة أساسيًا وحمل شارة القيادة، لكنه لم يكن في أفضل حالاته مقارنة بما ينتظره منه جمهور الترجي. ومع صعوبة الظروف البدنية وارتفاع الحرارة، اختار ريجيكامب إخراجه في الدقيقة 66، إلى جانب فلوريان دانهو وعماد فرج، والدفع بأسماء أكثر قدرة على منح الفريق نفسًا جديدًا. وهنا يمكن فهم التساؤلات التي رافقت التغييرات: هل كان من الممكن التعويل على البلايلي لفترة أطول؟ أم أن إخراجه كان القرار الأنسب في ظل نسق المباراة؟ في النهاية، أثبتت المباراة أن قيمة البلايلي لا تكمن فقط في التسجيل وصناعة الأهداف، وإنما أيضًا في قدرته على جذب المدافعين وفتح المساحات.
لكن ظروف المباراة والنسق البدني فرضا حسابات أخرى على الجهاز الفني. النجم الساحلي… فريق يستحق الإشادة رغم الهزيمة إذا كان الترجي قد خرج بالنقاط الثلاث، فإن النجم الساحلي خرج من المباراة بصورة إيجابية للغاية من الناحية الفنية. الفريق لم يدخل في دور المتفرج، ولم يكتفِ بالدفاع، بل أظهر شخصية قوية، خصوصًا في الشوط الثاني. وبعد أن كان متأخرًا بهدف، تمكن من العودة ثم قلب النتيجة إلى 2-1. أشرف بن ضياف كان من أبرز لاعبي النجم، ليس فقط بسبب تسجيله هدف التعادل، بل لدوره في منح الخط الأمامي للنجم الخطورة اللازمة. أما أسامة عبيد فكان أكثر حسماً عندما أضاف الهدف الثاني، مستفيدًا من تراجع الترجي وارتباك خطه الخلفي. لكن المشكلة الأساسية للنجم كانت في كيفية المحافظة على تقدمه. فبعد الوصول إلى 2-1، كان بإمكان الفريق تهدئة اللعب واستغلال حالة الترجي، إلا أن ضغط أصحاب الأرض عاد بقوة، ومع دخول العناصر الجديدة تغير ميزان المباراة. شوط ثانٍ من طراز ممتاز إذا كان الشوط الأول قد اتسم بالحذر النسبي وتأثير الحرارة، فإن الشوط الثاني كان مختلفًا تمامًا.
خمسة أهداف في المباراة، تقلب النتيجة أكثر من مرة، صراع بدني وتكتيكي، وعودة مثيرة للترجي… كل ذلك جعل النصف الثاني من المباراة أقرب إلى مباريات القمة التي ينتظرها الجمهور التونسي. الأرقام تؤكد حجم المنافسة؛ الترجي أنهى المباراة بنسبة استحواذ بلغت نحو 59% مقابل 41% للنجم، كما سدد 14 مرة مقابل 7 للنجم، ونال 11 ركنية مقابل 5 لمنافسه. وهذا يعني أن انتصار الترجي لم يكن ضربة حظ، لكنه في المقابل لم يكن انتصار فريق فرض سيطرته طوال المباراة. لقد كان انتصار فريق عرف كيف يعود عندما وجد نفسه في مأزق. دفاع الترجي… نقطة تستحق المراجعة رغم الفوز، فإن استقبال هدفين في ملعبه خلال المباراة الأولى يجب أن يكون محل دراسة بالنسبة للإطار الفني.
الترجي بدا أحيانًا مكشوفًا أمام التحولات السريعة، وسمح للنجم باستغلال المساحات، خصوصًا في الفترة التي قلب فيها الضيوف النتيجة. كما أن بعض الأخطاء الفردية في الخط الخلفي كانت قريبة من تكبيد الفريق خسارة النقاط الثلاث. وفي المقابل، كان أمان الله مميش حاضرًا في اللحظات الحاسمة، وخاصة في الوقت بدل الضائع، عندما تدخل وأنقذ الترجي من هدف كان يمكن أن يغيّر نهاية المباراة. الفوز مهم… لكن الرسالة الأهم هي أن العمل مازال متواصلًا الترجي بدأ البطولة بثلاث نقاط ثمينة أمام منافس مباشر وقوي، والأهم أنه أظهر قدرة على العودة وعدم الاستسلام.
لكن المباراة كشفت أيضًا أن الفريق مازال يحتاج إلى مزيد من الانسجام، خصوصًا أن التشكيلة تضم أسماء جديدة وتغييرات عديدة مقارنة بالموسم الماضي. أما النجم الساحلي، فرغم خسارته، فقد قدم رسالة واضحة: هذا الفريق لن يكون خصمًا سهلًا، وأنه قادر على منافسة كبار البطولة عندما يحافظ على تركيزه حتى صافرة النهاية. في النهاية، خرج الترجي منتصرًا 3-2، لكن الكلاسيكو لم يمنح إجابات نهائية بقدر ما طرح أسئلة جديدة. هل يستطيع الترجي تحسين مردوده الدفاعي؟ هل ستكون دكة البدلاء عنصر الحسم في المباريات القادمة؟ وهل يستطيع النجم الحفاظ على هذا المستوى وتحويل الأداء الجيد إلى نقاط؟ أسئلة ستجيب عنها الجولات القادمة. لكن المؤكد أن كلاسيكو رادس أعطى منذ الجولة الأولى إشارة قوية: الموسم الجديد لن يكون سهلًا على أحد.
ايمان مهني
















