هناك فنانات ينجحن في ملء المسارح وفنانات ينجحن في ملء الذاكرة. وماجدة الرومي تنتمي إلى الفئة الثانية؛ أولئك الذين لا تنتهي أغنياتهم بانتهاء الحفل بل تواصل العيش في وجدان الناس جيلاً بعد جيل.
في كل مرة تقف فيها ماجدة الرومي على خشبة المسرح لا يبدو الأمر وكأن مطربة تصعد لتغني بقدر ما يبدو وكأن فصلًا من تاريخ الأغنية العربية يُفتح من جديد هذه الفنانة اللبنانية التي اختارت منذ بداياتها أن يكون صوتها مختلفًا لم تبنِ مسيرتها على الشهرة وحدها بل على الكلمة الراقية واللحن الأصيل والموقف الإنساني. لذلك بقي حضورها أكبر من مجرد حضور فني وبقي اسمها مرتبطًا بقيم الحب والحرية والكرامة والانتماء.
ولدت ماجدة الرومي في كفر شيما داخل عائلة موسيقية فهي ابنة الموسيقار حليم الرومي أحد الأسماء البارزة في تاريخ الموسيقى اللبنانية والعربية وفي ذلك البيت تشكل وعيها الموسيقي قبل أن تشق طريقها بنفسها وتثبت أن الإرث قد يكون بداية الطريق لكنه لا يصنع النجاح وحده. كانت محطة «استديو الفن» سنة 1974 بداية لافتة لمسيرة طويلة. ومنذ ذلك الوقت ظهر صوت يحمل خصوصية يصعب تقليدها؛ صوت قادر على التعامل مع القصيدة الفصحى بعمق وعلى تحويل الكلمات إلى إحساس يصل إلى المستمع دون استئذان. ثم توالت الأعمال التي أصبحت جزءًا من الذاكرة العربية: «كلمات»، «كن صديقي»، «اعتزلت الغرام»، «عيناك ليالٍ صيفية»، «طوق الياسمين» وغيرها.
أغنيات لم تكن مجرد نجاحات موسيقي بل علامات بقيت حاضرة رغم تغير الأزمنة والأذواق. حتى السينما لم تكن بعيدة عن تجربتها إذ شاركت سنة 1976 في فيلم «عودة الابن الضال» للمخرج يوسف شاهين، لتؤكد أن حضورها الفني قادر على تجاوز حدود الأغنية. لكن ربما يكون الجانب الأكثر تميزًا في شخصية ماجدة الرومي هو ذلك الخط الفاصل الذي رفضت أن ترسمه بين الفنان والإنسان. لبنان كان دائمًا حاضرًا في وجدانها غنّت له حملت وجعه ودافعت عن صورته كبلد للثقافة والجمال والتعدد وفي كل الأزمات التي مر بها وطنها بقيت رسالتها أقرب إلى الدعوة للوحدة والكرامة والإنسان بعيدًا عن لغة الانقسام. وفلسطين بدورها حضرت في مواقفها ووجدانها كما ارتبط اسمها بأعمال ومبادرات إنسانية وخيرية لتؤكد أن الفنان الحقيقي لا يكتفي بأن يكون صوته مسموعًا بل يحاول أن يجعل من هذا الصوت مساحة للإنسان أيضًا.
وتبقى تونس… الحكاية الأجمل غير أن في مسيرة ماجدة الرومي علاقة خاصة يصعب اختصارها في كلمات قليلة: علاقتها بتونس منذ سنوات طويلة، لم تكن تونس بالنسبة إليها مجرد محطة في جدول الحفلات ولم يكن جمهورها التونسي مجرد جمهور آخر من الجماهير العربية.
هنا على أرض قرطاج تشكل جزء من الحكاية تونس احتضنت صوت ماجدة وفتحت له مساحة في قلوب جمهورها قبل أن يصبح اسمها واحدًا من أبرز الأسماء النسائية في الغناء العربي ومع مرور السنوات، تحولت العلاقة من علاقة فنانة بجمهورها إلى علاقة أقرب إلى الذاكرة المشتركة.
ولذلك لم تكن ماجدة حاضرة في أفراح تونس فقط. عندما عاش التونسيون لحظات الثورة وجدت في مطالب الحرية والكرامة صدى لقيم آمنت بها طوال حياتها. وعندما ضرب الإرهاب متحف باردو سنة 2015 لم تكتفِ بالتضامن من بعيد، بل جاءت إلى تونس ووقفت إلى جانب شعبها في لحظة ألم في موقف اختصر الكثير من الكلام كانت الرسالة واضحة: تونس بالنسبة إلى ماجدة ليست مسرحًا فقط بل بلدًا تربطها به علاقة إنسانية لا تختزلها الأضواء.
عودة ليست ككل العودات واليوم وهي تعود إلى قرطاج في دورته الستين بعد غياب طويل تبدو المسافة بين الأمس واليوم مجرد تفاصيل أمام قوة الذاكرة ماجدة لا تعود إلى قرطاج لتقدم حفلًا فحسب تعود إلى جمهور يعرف أغنياتها ويحفظ صوتها وإلى مسرح ارتبط باسمها وإلى بلد ظل حاضرًا في وجدانها والأجمل أن عودتها تحمل أيضًا بعدًا من الوفاء للذاكرة الموسيقية التونسية من خلال تقديم أعمال للفنان الراحل الهادي الجويني ومختارات من أغاني صليحة كأنها لا تأتي لتقول: «اسمعوني». بل تأتي لتقول: «أنا ما زلت أذكر». أذكر المكان والجمهور والأغنية والبدايات وكل التفاصيل التي صنعت علاقة استثنائية بين فنانة عربية وبلد عربي.
ولهذا ربما لا يكون السؤال الحقيقي: لماذا يحب التونسيون ماجدة الرومي؟ السؤال الأعمق هو: كيف يمكن أن لا يحبوا فنانة جعلت من صوتها جزءًا من ذاكرتهم؟ فهي لم تغنِّ للحب بطريقة عابرة ولم تجعل الوطن شعارًا ولم تتعامل مع الإنسان كعنوان في أغنية. اختارت أن تغني للكلمة حين تكون الكلمة موقفًا وللوطن حين يكون الوطن وجعًا وأملًا وللحرية حين تصبح حاجة وللإنسان حين يحتاج إلى من يرفع صوته من أجله.
وهكذا، عندما تصعد ماجدة الرومي إلى ركح قرطاج لن يكون المشهد مجرد فنانة لبنانية أمام جمهور تونسي. سيكون لقاءً بين ذاكرة وذاكرة. بين صوت حفظته الأجيال ومسرح حفظ الكثير من ذلك الصوت. وبين تونس التي احتضنت ماجدة في مسيرتها،وماجدة التي حملت تونس معها أينما ذهبت. في قرطاج لا تحتاج ماجدة الرومي إلى أن تثبت شيئًا يكفي أن تصعد إلى المسرح… وسيعرف الجمهور لماذا بقي اسمها كل هذه السنوات.
ماجدة تعود إلى قرطاج… ليس لتبدأ الحكاية من جديد بل لتثبت أن بعض الحكايات لا تنتهي. وتلك ربما أجمل حكاية يمكن أن تُكتب بين ماجدة الرومي وتونس: تونس أحبّت صوت ماجدة… وماجدة حفظت لتونس مكانًا في قلبها.
ايمان مهني
















