تحوّل الاحتفال بـيوم العلم إلى مناسبة لتجديد النقاش حول مستقبل المنظومة التعليمية في تونس، حيث وضع رئيس الجمهورية قيس سعيّد إصلاح التعليم في إطار ما وصفه بـالخيار الوطني السيادي، بعيداً عن التجاذبات السياسية والإملاءات الخارجية.
وخلال إشرافه أمس الاثنين بقصر قرطاج على موكب الاحتفال وتكريم المتفوقين في مختلف المجالات، شدّد رئيس الدولة على أن إصلاح التعليم ومساراته يجب أن ينبع من إرادة الشعب التونسي، مؤكداً ضرورة النأي بهذا الملف عن الصراعات السياسية.
التعليم «قرار سيادي»
سعيّد أكد أن تونس مطالبة باختيار منظومتها التعليمية بنفسها، منتقداً ما اعتبره تدخلاً خارجياً في بعض الإصلاحات السابقة.
وقال في هذا السياق:
«تعليمنا نختاره كما يختاره الشعب التونسي ونملك القدرة على تحقيق ذلك».
كما اعتبر أن بعض الإصلاحات التعليمية المتعاقبة «لم تكن بريئة»، مشيراً إلى أن بعضها، وفق تقديره، كان «مُملى من الخارج».
المجلس الأعلى للتربية والتعليم في الواجهة
وفي إطار إعادة بناء المنظومة، أشار رئيس الجمهورية إلى إرساء المجلس الأعلى للتربية والتعليم كمؤسسة دستورية تهدف إلى تكريس تعليم وطني ديمقراطي ومتاح للجميع على قدم المساواة.
ويرى سعيّد أن الحق في التعليم يجب ألا يتوقف عند مجرد ضمان إجبارية التعليم إلى سن السادسة عشرة، بل يتطلب بناء منظومة تضمن الاستمرارية والإنصاف وتكافؤ الفرص.
المدرسة لن تكون للكتب فقط
ومن أبرز الأفكار التي طرحها رئيس الجمهورية، فتح المدارس أمام الأنشطة الثقافية والفنية.
المسرح والسينما والفنون ستكون، وفق هذا التوجه، جزءاً من الحياة المدرسية، بالتعاون مع وزارتي الثقافة والشباب.
الهدف المعلن هو الارتقاء بالذوق العام، وتنمية الحس الثقافي، وتعزيز الروح الوطنية لدى التلاميذ.
كما دعا إلى تخصيص حيز زمني للتوعية والتحسيس بمخاطر المخدرات.
مركز لفنون الخط ومشاريع تربوية جديدة
وكشف رئيس الجمهورية أيضاً عن التوجه نحو الإعلان عن مشاريع تربوية ومعرفية جديدة بمجرد استكمال شروط نجاحها.
ومن بين المشاريع التي تم ذكرها إحداث مركز لفنون الخط، في توجه يعكس الرغبة في إعادة الاعتبار لبعض الفنون والمعارف المرتبطة بالهوية والثقافة.
التعليم ليس كتباً وأقساماً فقط
وشدد سعيّد كذلك على ضرورة توفير الظروف الضرورية لنجاح العملية التعليمية، بما يشمل النقل والصحة والإحاطة الاجتماعية.
كما دعا إلى تفعيل دور المجتمع الأهلي في صيانة المدارس ومراجعة هندستها وتجهيزاتها، بما يجعل المؤسسة التربوية فضاءً ملائماً للتعلم والحياة.
وفي هذا السياق، شدّد على ضرورة إبعاد المنظومة التربوية عن ما وصفه بـ**«شطحات المهرجين وحسابات السياسيين»**.
إصلاح شامل أم إعادة رسم للمدرسة التونسية؟
خطاب رئيس الجمهورية بمناسبة يوم العلم حمل رسائل تتجاوز الاحتفال بتكريم المتفوقين، ليرسم ملامح تصور أوسع لمستقبل التعليم في تونس.
سيادة القرار التربوي، مجلس أعلى للتربية، ثقافة وفنون داخل المدارس، محاربة المخدرات، تحسين النقل والصحة والإحاطة الاجتماعية، وإعادة النظر في فضاءات المؤسسات التعليمية.
ويبقى التحدي الأكبر هو تحويل هذه الرؤية إلى إصلاحات ملموسة ومستدامة قادرة على تحسين جودة التعليم، وضمان تكافؤ الفرص، وربط المدرسة والجامعة بحاجيات المجتمع وسوق الشغل.
فبعد سنوات من الإصلاحات المتعاقبة، يبدو أن تونس تستعد لفتح ملف التعليم من جديد… ولكن هذه المرة تحت عنوان واضح: «تعليم تونسي بإرادة تونسية».
















