تعيش المنظومة الطاقية في تونس مرحلة دقيقة في ظل تزايد الطلب على الكهرباء وتراجع هامش الأمان بين الإنتاج والاستهلاك وهي تحديات يتوقع مختصون أن تستمر خلال السنوات المقبلة، مدفوعة بتغيرات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة تفرض مراجعة شاملة لسياسات الطاقة وخياراتها الاستراتيجية.
ويرى المهندس والخبير في مجال الطاقة فؤاد علي أن الأزمة الحالية المرتبطة بتوازن العرض والطلب ليست ظرفية بل تمثل تحديًا هيكليًا مرشحًا للاستمرار لعدة سنوات في ظل مؤشرات تؤكد أن الطلب على الكهرباء سيشهد ارتفاعًا غير مسبوق مع توسع استخدام السيارات الكهربائية وتزايد الاعتماد على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية التي أصبحت من أكثر القطاعات استهلاكًا للطاقة في العالم.
ويؤكد الخبير أن هذه التحولات تستوجب إطلاق نقاش وطني واسع حول مستقبل المنظومة الطاقية، بما في ذلك دراسة خيار الطاقة النووية السلمية باعتباره أحد البدائل القادرة على توفير إنتاج مستقر للكهرباء على المدى الطويل خاصة مع محدودية الموارد الأحفورية المحلية وارتفاع كلفة التوريد.
أزمة هيكلية وليست ظرفية
تعتمد تونس منذ عقود بشكل أساسي على الغاز الطبيعي لإنتاج الكهرباء ويأتي جزء مهم من هذا الغاز عبر الواردات وهو ما يجعل المنظومة الطاقية شديدة التأثر بتقلبات الأسواق العالمية وأسعار الطاقة.
وخلال السنوات الأخيرة شهد الطلب على الكهرباء ارتفاعًا متواصلًا خصوصًا في فصل الصيف، نتيجة التوسع الكبير في استخدام أجهزة التكييف، إلى جانب النمو العمراني وتطور الأنشطة الاقتصادية والخدمات الرقمية.
ويشير المختصون إلى أن الحفاظ على توازن الشبكة الكهربائية يتطلب توفر احتياطي إنتاج كافٍ لمواجهة فترات الذروة وهو ما أصبح أكثر صعوبة مع تزايد الاستهلاك وتأخر إنجاز عدد من مشاريع إنتاج الكهرباء.
حلول عاجلة لاستعادة الكفاءة
ولمواجهة الضغوط الحالية يقترح فؤاد علي العمل على محورين متوازيين.
يتمثل الأول في تحسين أداء محطات الإنتاج الحالية عبر برامج تدقيق وصيانة متقدمة للمولدات الكهربائية بهدف استعادة نحو 10 بالمائة من الكفاءة المفقودة بفعل التقادم والعوامل المناخية وهو ما يمكن أن يوفر ما بين 100 و200 ميغاواط إضافية دون الحاجة إلى إنشاء محطات جديدة.
أما المحور الثاني فيرتكز على مراجعة منظومة تسعير الكهرباء واعتماد سياسات تشجع على ترشيد الاستهلاك من خلال حوافز للمستهلكين المقتصدين وآليات تحد من الاستهلاك المفرط خلال فترات الذروة إلى جانب إطلاق حملات توعية وطنية حول النجاعة الطاقية بالاستفادة من برامج الانتقال الطاقي.
ويؤكد خبراء أن التحكم في الطلب أصبح اليوم عنصرًا لا يقل أهمية عن زيادة الإنتاج خصوصًا مع الارتفاع المستمر في الاستهلاك المنزلي.
كيف وصلت المنظومة إلى هذه المرحلة؟
يرى فؤاد علي أن الشركة التونسية للكهرباء والغاز اعتمدت خلال عقود على التخطيط الاستباقي الذي يقوم على التوازن بين تطور الطلب والاستثمارات في قدرات الإنتاج.
غير أن الوضع بدأ يتغير بعد سنة 2011 مع الارتفاع السريع في الاستهلاك الكهربائي خاصة في القطاع السكني بالتزامن مع انتشار أجهزة التكييف بشكل واسع وهو ما أدى إلى زيادة غير مسبوقة في الأحمال الكهربائية خلال أشهر الصيف.
ويعتبر أن سنة 2015 شكلت محطة مفصلية بعد اعتماد الإطار القانوني المنظم للطاقات المتجددة حيث تحولت الأولويات تدريجيًا نحو تشجيع المشاريع الخاصة في مجال إنتاج الكهرباء من المصادر المتجددة في مقابل تراجع نسق الاستثمار في المحطات الحرارية التقليدية التي تظل إلى اليوم العمود الفقري للمنظومة الكهربائية.
الطاقات المتجددة… تقدم مهم ولكن
تشهد تونس توسعًا تدريجيًا في مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح ضمن توجه ينسجم مع التحولات العالمية الرامية إلى خفض الانبعاثات الكربونية وتعزيز الاعتماد على مصادر الطاقة النظيفة.
إلا أن عدداً من المختصين يؤكدون أن هذه المصادر، رغم أهميتها لا تستطيع في وضعها الحالي تأمين الطلب خلال فترات الذروة نظراً إلى طبيعتها المتقطعة وارتباط إنتاجها بظروف الطقس.
فالإنتاج الشمسي يتراجع مع غروب الشمس بينما ترتفع ذروة الاستهلاك في المنازل خلال المساء وهو ما يفرض الإبقاء على محطات إنتاج تقليدية أو تطوير تقنيات تخزين الكهرباء التي ما تزال مكلفة وتتطلب استثمارات كبيرة.
كما أن عدداً من مشاريع الطاقات المتجددة عرف تأخيرات في الإنجاز بسبب صعوبات إدارية وإجرائية وهو ما أثر في سرعة إدماجها داخل الشبكة الوطنية.
الغاز… الحلقة الأكثر حساسية
يشير الخبراء إلى أن تأمين إمدادات الغاز الطبيعي يمثل أحد أكبر التحديات أمام المنظومة الطاقية خاصة مع تراجع الإنتاج المحلي واعتماد البلاد بدرجة متزايدة على التوريد.
وفي هذا السياق يرى فؤاد علي أن بعض الخيارات السابقة، ومنها التعويل المبكر على توسع الطاقات المتجددة تزامنت مع تأخر مشاريع الإنتاج البديل وإلغاء ترتيبات إضافية للتزود بالغاز الأمر الذي جعل الشركة المشغلة تلجأ بصورة أكبر إلى الأسواق الفورية حيث تكون الأسعار أكثر تقلبًا وارتفاعًا.
هل تصبح الطاقة النووية خيارًا مطروحًا؟
من بين المقترحات التي يثيرها عدد من الخبراء يبرز خيار الطاقة النووية السلمية باعتباره أحد الحلول الممكنة على المدى البعيد.
ويرى مؤيدو هذا التوجه أن المفاعلات النووية الحديثة توفر إنتاجًا مستقرًا للكهرباء على مدار الساعة وتقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري كما تساهم في خفض الانبعاثات الكربونية.
في المقابل يشدد مختصون آخرون على أن تبني هذا الخيار يتطلب استثمارات ضخمة وإطارًا تشريعيًا ورقابيًا صارمًا وكفاءات بشرية عالية، إضافة إلى توافق سياسي ومجتمعي واسع بالنظر إلى حساسية هذا النوع من المشاريع وطول آجال إنجازها.
الحاجة إلى رؤية استراتيجية
تجمع آراء المختصين على أن مستقبل الطاقة في تونس لن يُبنى على حل واحد بل على مزيج متوازن يجمع بين تحديث محطات الإنتاج التقليدية، وتسريع إنجاز مشاريع الطاقات المتجددة، وتحسين كفاءة الاستهلاك وتعزيز أمن التزود بالغاز مع الانفتاح على الخيارات التكنولوجية الجديدة.
فمع تسارع التحول الرقمي وانتشار السيارات الكهربائية وتنامي الطلب الصناعي والخدمي تبدو البلاد أمام مرحلة تستوجب قرارات استراتيجية بعيدة المدى تضمن أمنها الطاقي وتواكب التحولات العالمية بما يحافظ على استقرار المنظومة الكهربائية ويؤمن احتياجات الأجيال القادمة.
















