في تجربة تجمع بين التكنولوجيا الحديثة والاستجابة الإنسانية، بدأت العاصمة الكورية الجنوبية سيول في الاعتماد على أنظمة مراقبة مدعّمة بالذكاء الاصطناعي لمتابعة الجسور التي شهدت ارتفاعا في حالات الانتحار، بهدف التدخل المبكر ومنح فرص إضافية لإنقاذ الأرواح قبل وقوع المأساة.
وتأتي هذه الخطوة في بلد يواجه تحديا اجتماعيا ونفسيا كبيرا، إذ تسجل كوريا الجنوبية واحدا من أعلى معدلات الانتحار عالميا. ويرجع مختصون هذه الظاهرة إلى عوامل متعددة، من بينها الضغوط الدراسية القوية، وطول ساعات العمل، والمنافسة الاجتماعية الحادة، إضافة إلى الصعوبات المالية والشعور بالعزلة لدى بعض الفئات.
وأكد يو جاي هيون، مدير مركز الوقاية من الانتحار والاستجابة للأزمات في مستشفى “ماري” بسيول، أن العديد ممن حاولوا وضع حد لحياتهم عبّروا عن شعورهم بأنهم أصبحوا عبئا على محيطهم، مشيرا إلى أن الشباب في العقد الثالث من العمر يمثلون النسبة الأكبر بين الحالات التي تصل إلى أقسام الطوارئ بعد محاولات الانتحار.
900 كاميرا ترصد المخاطر قبل وقوعها
يعتمد النظام الجديد على مئات الكاميرات الذكية المنتشرة على جسور العاصمة، حيث تقوم بتحليل السلوكيات غير الاعتيادية ورصد وجود أشخاص في مناطق خطرة أو بقائهم لفترات طويلة في أماكن معينة.
وخلال سنة 2025، تمكنت نحو 900 كاميرا مزودة بتقنيات الذكاء الاصطناعي من رصد أكثر من 1200 حالة تستوجب التدخل، وهو ما ساعد فرق الإنقاذ على الوصول إلى نسبة نجاح تجاوزت 99 بالمائة في إنقاذ الأشخاص المعنيين.
وأوضح كيم جون يونغ، رئيس مركز التحكم المتكامل للمراقبة بالفيديو بجسر هانغانغ، أن سرعة التدخل تعد عاملا حاسما، حيث تستطيع فرق الطوارئ الوصول إلى معظم الجسور خلال حوالي خمس دقائق، وهي فترة قد تكون فاصلة بين الحياة والموت.
التكنولوجيا وحدها لا تكفي لمواجهة الأزمة
ورغم النتائج الإيجابية التي حققتها هذه المنظومة، يؤكد الخبراء أن الذكاء الاصطناعي لا يمثل حلا نهائيا لمشكلة معقدة ترتبط بعوامل نفسية واجتماعية عميقة.
فالأسباب التي تدفع بعض الأشخاص إلى التفكير في الانتحار ترتبط غالبا بضغوط متراكمة تشمل مشاكل العمل، والأوضاع المالية، والأمراض، والوحدة الاجتماعية، وهي عوامل تتطلب إلى جانب التدخل التكنولوجي دعما نفسيا واجتماعيا متواصلا.
ويعمل النظام المعتمد في سيول منذ سنة 2021 على إطلاق إنذارات آلية عند رصد وجود شخص في منطقة خطرة أو بقائه لأكثر من 300 ثانية في مواقع محددة، كما يرسل إشعارات فورية إلى السلطات عند استخدام هواتف المساعدة المنتشرة على الجسور.
كوريا الجنوبية أمام تحدي نفسي متواصل
ورغم الجهود المبذولة، لا تزال كوريا الجنوبية تواجه تحديا كبيرا في مجال الصحة النفسية، حيث ارتفع معدل الانتحار في البلاد سنة 2024 إلى نحو 29 حالة لكل 100 ألف نسمة، وهو أعلى مستوى منذ أكثر من عقد.
وتبرز تجربة سيول كيف يمكن للتكنولوجيا أن تلعب دورا مهما في الوقاية والتدخل السريع، لكنها تؤكد في الوقت ذاته أن معالجة الظاهرة تتطلب مقاربة شاملة تجمع بين الذكاء الاصطناعي، والدعم النفسي، وتعزيز شبكات التضامن الاجتماعي، بهدف بناء بيئة أكثر قدرة على حماية الأفراد ومساندتهم في لحظات الأزمات.
















