في السنوات الأخيرة، لم تعد مواقع التواصل الاجتماعي مجرد فضاء للتواصل، بل تحولت إلى سوق مفتوحة لبيع “المعجزات الطبية”. فلا يكاد يمر يوم دون أن يظهر إعلان جديد يعد بعلاج الربو نهائيًا، أو تنظيف الرئتين في أيام، أو القضاء على القولون العصبي، أو إزالة آلام المفاصل، أو علاج الصداع المزمن، أو حتى إعادة البنكرياس إلى العمل وكأنه لم يمرض يومًا.
المشهد يكاد يكون متكررًا إلى حد التطابق. شخص يرتدي مئزرًا أبيض، يقدَّم على أنه طبيب أو خبير، يتحدث بثقة مطلقة، ويؤكد أن الحل بسيط جدًا، وأن آلاف المرضى استعادوا صحتهم بفضل بضع قطرات أو كبسولات أو مسحوق طبيعي. ثم تتوالى شهادات لأشخاص يروون كيف كانوا على وشك فقدان الأمل قبل أن يعثروا على هذا “الاكتشاف الثوري”.
لكن، بعيدًا عن الإثارة التسويقية، يفرض العقل سؤالًا بسيطًا: إذا كانت هذه المنتجات تحقق فعلًا هذه النتائج الخارقة، فأين كانت كل هذه السنوات؟ ولماذا لا تعتمدها المستشفيات؟ ولماذا لا نجدها ضمن البروتوكولات العلاجية التي يعتمدها أطباء الاختصاص؟ ولماذا لا تتصدر المجلات الطبية العالمية باعتبارها ثورة علمية غيرت وجه الطب؟
الحقيقة أن الطب لا يقوم على الفيديوهات الممولة، ولا على القصص المؤثرة، ولا على الوعود المطلقة. الطب يقوم على البحث العلمي، وعلى التجارب السريرية، وعلى إثبات الفعالية والسلامة قبل تسويق أي منتج. أما تحويل كل مكمل غذائي أو مستحضر عشبي إلى “دواء معجزة”، فهو أمر يثير كثيرًا من علامات الاستفهام.
الأخطر من ذلك أن هذه الإعلانات تستهدف المرضى في لحظات ضعفهم. فالمصاب بالربو أو بالقولون أو بمرض مزمن يبحث عن بصيص أمل، وقد يكون مستعدًا لتجربة أي منتج يعده بالشفاء. وهنا يتحول الأمل إلى وسيلة للتسويق، وتتحول معاناة الإنسان إلى فرصة تجارية.
أما الأسعار، فهي قصة أخرى. فهذه المنتجات لا تباع بأسعار رمزية، بل تبدأ من أربعين دينارًا، وقد تصل إلى سبعين أو مائة دينار، وربما أكثر. يدفع المواطن المال، وقد يشتري الوهم بدل العلاج، دون أن يملك أي ضمان حقيقي حول فعالية المنتج أو سلامته.
لا أحد يعارض الطب البديل عندما يكون مؤطرًا علميًا، ولا يعارض المكملات الغذائية عندما يكون دورها واضحًا ومثبتًا. لكن الادعاء بعلاج أمراض مزمنة أو خطيرة دون دليل علمي هو أمر يستوجب رقابة صارمة، لأن صحة الإنسان ليست مجالًا للتجارب التجارية.
اليوم، لم يعد السؤال: هل توجد هذه الإعلانات؟ بل أصبح السؤال: أين هي الجهات الرقابية؟ وأين هي الهيئات المكلفة بحماية المستهلك؟ وهل يكفي أن يُكتب بخط صغير “هذا المنتج ليس دواءً” حتى يُسمح للإشهار بأن يعد الناس بعلاج أمراض قد تهدد حياتهم؟
إن حماية صحة المواطن لا تقل أهمية عن حماية أمواله. فالإشهار المضلل في المجال الطبي قد لا يؤدي فقط إلى خسارة مالية، بل قد يدفع بعض المرضى إلى تأخير العلاج الحقيقي، وهو ما قد تكون عواقبه وخيمة.
لقد آن الأوان لوضع حد لهذه الفوضى، وتشديد الرقابة على الإعلانات الطبية الرقمية، وإلزام كل من يدعي امتلاك علاج بإثبات ذلك بالأدلة العلمية، لا بالمشاهد المؤثرة ولا بالشهادات المفبركة.
فالصحة ليست سلعة، والمرض ليس فرصة للربح، والمعجزات… مكانها كتب التاريخ، لا الحملات الإعلانية على مواقع التواصل الاجتماعي.


















