أشعلت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب جولة جديدة من التوترات التجارية العالمية بعد فرض رسوم جمركية إضافية على واردات قادمة من 60 شريكاً تجارياً، في خطوة قالت واشنطن إنها تهدف إلى مواجهة ما تعتبره ممارسات مرتبطة بالعمل القسري داخل سلاسل التوريد العالمية، لكنها أثارت في المقابل مخاوف من عودة سياسة الحمائية التجارية التي طبعت عهد ترمب خلال السنوات الماضية.
وتراوحت الرسوم الجديدة بين 10 و12.5 بالمائة، وشملت شركاء اقتصاديين كباراً على غرار الاتحاد الأوروبي والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، إضافة إلى عدد من الدول الآسيوية والأمريكية، في قرار يعكس استمرار اعتماد الإدارة الأميركية على الرسوم الجمركية كأداة للضغط وإعادة رسم قواعد التجارة الدولية.
نهاية مرحلة الرسوم المؤقتة وبداية نظام جديد
دخلت الإجراءات الجديدة حيز التنفيذ بعد انتهاء العمل بالرسوم الجمركية العالمية المؤقتة التي بلغت 10 بالمائة واستمرت لمدة خمسة أشهر، لتبدأ واشنطن تطبيق آلية جديدة تستند إلى المادة 301 من قانون التجارة الأميركي لعام 1974.
وتأتي هذه الخطوة بعد أن أبطلت المحكمة العليا الأميركية في فبراير الماضي الرسوم “المتبادلة” التي كان ترمب قد فرضها سابقاً بالاستناد إلى قانون الطوارئ الوطنية، ما دفع الإدارة الأميركية إلى البحث عن أساس قانوني أكثر صلابة لمواصلة سياستها التجارية.
ويرى مراقبون أن اختيار المادة 301 يمنح هذه الرسوم فرصة أكبر للصمود أمام الطعون القانونية، باعتبار أن هذا الفصل من قانون التجارة سبق استخدامه في ملفات تجارية مشابهة.
الصين والاتحاد الأوروبي في قلب العاصفة
رغم الطابع الواسع للقرار، فإن الصين والاتحاد الأوروبي يظلان في مقدمة الأطراف المعنية بهذه الخطوة، نظراً إلى حجم التبادل التجاري بينهما وبين الولايات المتحدة.
وأكد مسؤولون أميركيون أن الرسوم المفروضة على المنتجات الصينية ستعود إلى سقف 20 بالمائة المتفق عليه ضمن الهدنة التجارية التي تم التوصل إليها بين الرئيسين دونالد ترمب وشي جين بينغ في نوفمبر 2025، مع التأكيد على عدم تجاوز هذا المستوى.
أما الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وسويسرا، فقد أصبحت وارداتها خاضعة لرسوم تتراوح بين 10 و12.5 بالمائة بعد احتساب الرسوم السابقة، في وقت تخضع فيه 38 دولة أخرى، من بينها الصين وفيتنام، للنسبة الأعلى المحددة بـ12.5 بالمائة.
استثناءات واسعة تشمل الطاقة والمعادن والصناعات الاستراتيجية
ورغم اتساع نطاق القرار، لم تشمل الرسوم جميع القطاعات، إذ استثنت الإدارة الأميركية عدداً من المنتجات الحيوية، من بينها النفط والغاز والأسمدة وبعض المواد الغذائية، إلى جانب السيارات والصلب والألمنيوم والنحاس والطائرات ومكوناتها والمعادن الأساسية.
وتعكس هذه الاستثناءات محاولة أميركية لتحقيق توازن بين الضغط على الشركاء التجاريين وحماية القطاعات التي تعتبرها واشنطن ضرورية للأمن الاقتصادي والصناعي.
غضب دولي وتحذيرات من تداعيات اقتصادية
لم تمر الخطوة الأميركية دون ردود فعل غاضبة من عدد من الشركاء التجاريين، حيث وصفت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي كايا كالاس الرسوم بأنها “صدمة” ولا تستند إلى مبررات حقيقية، بينما اعتبرت أستراليا والبرازيل والنرويج الإجراءات الأميركية غير مبررة، وأكدت سعيها إلى إلغائها.
كما وصفت كندا القرار بأنه إجراء “أحادي الجانب”، في إشارة إلى رفضها لاستخدام واشنطن للرسوم الجمركية كوسيلة لفرض تغييرات في السياسات التجارية للدول الأخرى.
العالم أمام مرحلة جديدة من الصراع التجاري
تعيد قرارات ترمب الجدل حول مستقبل النظام التجاري العالمي، خصوصاً مع تصاعد استخدام الرسوم الجمركية كأداة سياسية واقتصادية بدل الاقتصار على دورها التقليدي في حماية الأسواق المحلية.
وبين مبررات واشنطن المتعلقة بحماية العمال ومحاربة الاستغلال، وانتقادات شركائها الذين يرون فيها عائقاً أمام التجارة الحرة، يبدو أن الاقتصاد العالمي مقبل على مرحلة جديدة من التوتر، قد تنعكس على الأسعار وسلاسل الإمداد والاستثمارات الدولية خلال الفترة المقبلة.
















