بقلم عبد الطيف بن هدية

في كل الدول التي تسعى إلى ترسيخ الحوكمة الرشيدة، يُفترض أن تكون الإدارة العمومية قادرة على استشراف حاجيات المواطنين واتخاذ المبادرات في الوقت المناسب، دون انتظار تدخل أعلى هرم السلطة. غير أن ما حدث بخصوص تمكين المواطنين من تخزين الطاقة يطرح تساؤلات جوهرية حول آليات اتخاذ القرار داخل مؤسسات الدولة.
فإذا كان هذا المطلب يحظى منذ سنوات بدعم شعبي واسع، وتؤكده الحاجة الملحة إلى تخفيض كلفة الطاقة، وتشجيع الاستثمار في الطاقات المتجددة، وتعزيز الأمن الطاقي للبلاد، فلماذا تأخر اتخاذ القرار؟ ولماذا لم تتحرك الوزارات والهياكل الفنية المختصة بالسرعة والجرأة اللازمتين؟ إن تدخل رئيس الجمهورية خلال مجلس وزاري لإقرار هذا التوجه يعكس، من جهة، أهمية الملف وحرص مؤسسة الرئاسة على دفع المشاريع ذات البعد الاستراتيجي.
لكنه يثير، من جهة أخرى، سؤالاً مشروعاً حول أداء الإدارة وقدرتها على المبادرة. فهل أصبحت الملفات الكبرى لا تتحرك إلا بعد تدخل مباشر من رئيس الدولة؟ وإذا كان الأمر كذلك، فما هو دور الوزارات والإدارات العامة والهيئات الفنية التي يفترض أن تدرس الملفات وتقترح الحلول وتترجم التوجهات الوطنية إلى قرارات تنفيذية؟ إن تطوير منظومة تخزين الطاقة لا يمثل مجرد خيار تقني، بل هو ركيزة أساسية للانتقال الطاقي. فبدون حلول للتخزين، يبقى الاستثمار في الطاقة الشمسية محدود النجاعة، ويظل المواطن عاجزاً عن الاستفادة الكاملة من الطاقة التي ينتجها، كما تبقى الشبكة الكهربائية محرومة من أحد أهم عناصر المرونة والاستقرار. لقد أثبتت التجارب الدولية أن دعم تقنيات التخزين يشجع الأسر والمؤسسات على الاستثمار في الطاقات المتجددة، ويقلص الضغط على الشبكات الكهربائية، ويحد من فاتورة استيراد الطاقة، فضلاً عن خلق سوق جديدة للصناعات والخدمات المرتبطة بالاقتصاد الأخضر. ومن هنا، فإن القرار يمثل خطوة إيجابية تستحق التثمين، لكنه في الوقت ذاته يفرض إجراء مراجعة شاملة لطرق عمل الإدارة العمومية. فالإدارة الناجحة ليست تلك التي تنتظر التعليمات، وإنما التي تستبق التحديات، وتقترح الإصلاحات، وتنفذ السياسات العمومية بكفاءة وسرعة.
إن تونس اليوم في حاجة إلى إدارة أكثر جرأة، وأكثر قدرة على اتخاذ القرار، وأكثر قرباً من انتظارات المواطنين. فالتأخر في الإصلاحات لا يكلف الدولة الوقت فقط، بل يكلفها أيضاً فرصاً استثمارية، ومواطن شغل، وثقة المواطنين في مؤسساتهم. ويبقى السؤال مطروحاً: هل سيكون هذا القرار بداية مرحلة جديدة تتسم بالمبادرة والنجاعة داخل مؤسسات الدولة، أم سنواصل انتظار تدخل رئيس الجمهورية في كل ملف استراتيجي حتى يرى النور؟
















