في كرة القدم، لا تُقاس كل الخسائر بالنتائج ولا تظهر كلها فور وقوعها. فبعضها يتأخر سنوات، إلى أن يكتشف الجميع أن موهبة كانت بين أيديهم، ولم يُحسَن التعامل معها في الوقت المناسب. وربما يكون التفريط في قصي معشة أحد تلك القرارات التي قد يندم عليها الترجي الرياضي التونسي مستقبلاً.
فقصي معشة ليس مجرد لاعب شاب عابر، بل مشروع موهبة يمتلك خصائص نادرة: السرعة، والجرأة في المبادرة، والمهارة الفردية، والقدرة على صناعة الفارق في اللحظات الحاسمة. وهذا النوع من اللاعبين يحتاج، قبل كل شيء، إلى بيئة تحتضن الموهبة وتمنحها الوقت والثقة والمسؤولية اللازمة لتنضج.
والمفارقة أن مشكلة الأندية الكبرى نادراً ما تكون في اكتشاف المواهب؛ فالترجي يملك مدرسة تكوين عريقة أثبتت جدارتها لعقود. لكن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تحويل اللاعب الشاب من “مشروع واعد” إلى “نجم مكتمل الأدوات”. فالموهبة وحدها لا تكفي؛ إنها تحتاج إلى مشاركة منتظمة، وإلى مدرب يؤمن بها ويمنحها فرصتها، وإلى إدارة تنظر إلى اللاعب الشاب باعتباره استثماراً رياضياً بعيد المدى، لا مجرد ورقة قابلة للتعويض عند أول عثرة.
وبحسب المعطيات المتوفرة، فإن قصي معشة، المولود سنة 2007، لم يحظَ بوقت لعب يُذكر مع الفريق الأول، رغم بقائه ضمن المجموعة طوال الموسم. وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً: هل كان من الأجدى منحه فرصة أوسع داخل الترجي، بدل السماح برحيله في هذا التوقيت بالذات؟
الأندية الأوروبية الكبرى، في المقابل، لا تفرّط بسهولة في مواهبها الشابة؛ إذ تدرك أن لاعباً في سن الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة قد يتحول، خلال موسم أو موسمين فقط، إلى قيمة فنية وسوقية كبرى. لذلك أصبحت “إدارة المواهب” علماً قائماً بذاته، له أدواته ومنهجياته، وليس مجرد قرار فني عابر يُتخذ في لحظة ضغط.
وقد يكون انتقال قصي معشة فرصة له لاستعادة نسقه واستكمال تطوره في بيئة أخرى، لكنه في الوقت نفسه رسالة موجهة إلى الترجي: إن الاستثمار في الشبان لا يجب أن يبقى شعاراً تُرفع به الخطابات، بل سياسة واضحة تُترجم إلى قرارات فعلية على أرض الملعب.
وفي النهاية، أكبر انتصارات الأندية ليست فقط في جلب النجوم الجاهزين، بل في صناعتهم من الداخل. وأكبر خسائرها ليست دائماً خسارة مباراة، بل خسارة لاعب كان يمكن أن يصبح أحد رموزها.
| قصي معشة قد يكون مثالاً جديداً على سؤال قديم في الكرة التونسية: كم من موهبة كبيرة ضاعت لأنها لم تجد الطريق الصحيح في الوقت المناسب؟ |
عبد الطيف بن هدية
















