عبد اللطيف بن هدية | مدير النشر – L’Expert
يُعد الاتفاق النووي المدني الذي وقّعته الولايات المتحدة والسعودية إنجازًا سياسيًا واستراتيجيًا مهمًا لولي العهد السعودي محمد بن سلمان، إذ يحقق هدفًا سعت إليه الرياض منذ سنوات، ويمنحها مكانة أكبر في معادلات الطاقة والتكنولوجيا النووية. غير أن وصف هذا الإنجاز بأنه “كسر لشوكة إسرائيل” يتجاوز ما تسمح به الوقائع الراهنة.
ما الذي وُقّع فعليًا؟
وقّع وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت ووزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، يوم الأربعاء 22 يوليو 2026، اتفاقية تُعرف باسم “اتفاقية 123” نسبة إلى المادة 123 من قانون الطاقة الذرية الأمريكي لعام 1954، إلى جانب اتفاقية ضمانات ثنائية مرافقة. وتضع هذه الاتفاقية الأساس القانوني لشراكة طويلة الأمد تمتد ثلاثة عقود، تمنح الشركات الأمريكية دورًا رئيسيًا في بناء أول برنامج نووي مدني سعودي.
بيد أن الاتفاق ما زال بحاجة إلى مراجعة الكونغرس الأمريكي قبل دخوله حيز التنفيذ الكامل، وسط معارضة من نواب ديمقراطيين قلقين من تداعياته على منطقة تشهد في الوقت نفسه حملة أمريكية عسكرية ضد إيران. وهذا يعني أن المكسب السعودي لم يُحسم بعد من الناحية الإجرائية.
فصل الملف النووي عن التطبيع: تحول متعمد لا عرضي
على عكس المقاربة التي عملت عليها إدارة بايدن، والتي كانت تُدرج التعاون النووي ضمن حزمة متكاملة تشمل التطبيع مع إسرائيل ومسارًا نحو دولة فلسطينية وضمانات دفاعية متبادلة، جاء اتفاق إدارة ترامب مفصولًا صراحة عن شرط التطبيع. وتؤكد مراكز أبحاث أمريكية أن هذا الفصل لم يكن تفسيرًا اجتهاديًا، بل واقعًا معلنًا يعكس رفض الحكومة الإسرائيلية الحالية الانخراط في مسألة الدولة الفلسطينية.
القلق الإسرائيلي: فقدان ورقة ضغط لا تراجع استراتيجي شامل
أثار الاتفاق انزعاجًا واضحًا في إسرائيل، لكنه انزعاج من نوع مختلف عمّا يوحي به تعبير “كسر الشوكة”. فمعهد أبحاث الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) وصف الموقف بأنه معضلة استراتيجية لتل أبيب، إذ قد تجد نفسها في السيناريو الأسوأ: مخاطر متزايدة للانتشار النووي الإقليمي، من دون تحقيق الإنجاز الدبلوماسي المتمثل في التطبيع مع أهم دولة عربية. كما ذهب مسؤولون أمريكيون سابقون عملوا على ملف التطبيع إلى القول إن الإدارة الأمريكية الحالية “تخلّت عن الورقة النووية من دون الحصول على التطبيع مقابلها”، في إشارة إلى أن واشنطن قدّمت تنازلًا للرياض شبه مجاني.
نقطة تقنية حساسة: مسألة التخصيب
تشير بعض التقارير الأمريكية والإسرائيلية إلى أن الترتيبات المقترحة قد تمنح السعودية قدرة على تخصيب اليورانيوم وإعادة معالجة الوقود النووي المستنفد من دون رقابة صارمة – وهي نقطة تتجاوز مجرد “برنامج نووي مدني بدعم أمريكي”، وتُعد بحد ذاتها مؤشرًا على حجم المكسب السعودي إذا تأكدت التفاصيل الكاملة للاتفاق، خصوصًا أن هذا النوع من الصلاحيات كان من المحرمات في المفاوضات السابقة تحت إدارة بايدن.
الرواية السعودية الرسمية: تحرير القرار لا قطع المسار
أوضح مسؤول سعودي رفيع، تحدث للصحافة الأمريكية دون الكشف عن اسمه، أن حصول الرياض على الاتفاق النووي لا يعني نهاية مسار التطبيع مع إسرائيل، بل تحرير القرار السعودي من الشرط الأمريكي/الإسرائيلي الذي كان يربط الملفين. وهذا يدعم قراءة مفادها أن الرياض عززت هامشها التفاوضي من دون أن تُلزم نفسها بموقف نهائي تجاه إسرائيل، سلبًا أو إيجابًا.
| أبرز النقاط |
| 1. نجح محمد بن سلمان في انتزاع مكسب استراتيجي مهم يتمثل في برنامج نووي مدني بدعم أمريكي، يعزز رؤية 2030 ويمنح الرياض ثقلاً إضافيًا في معادلات الطاقة. |
| 2. لم يتحقق هدف إسرائيلي سابق كان يربط هذا التعاون النووي بالتطبيع مع السعودية، وهو ما يمثل تراجعًا نسبيًا للموقف الإسرائيلي في هذا الملف تحديدًا. |
| 3. لم تُكسر شوكة إسرائيل: فهي ما زالت تمتلك تفوقًا عسكريًا وتقنيًا ونفوذًا واسعًا في واشنطن، وقادرة على التأثير في ملفات الأمن الإقليمي. |
| 4. الاتفاق لم يُستكمل بعد إجرائيًا، إذ يخضع لمراجعة الكونغرس الأمريكي وسط معارضة ديمقراطية قائمة. |
خلاصة
ما جرى ليس فقط “فشلاً إسرائيليًا” في فرض شرط التطبيع، بل تفكيكًا أمريكيًا متعمدًا لبنية تفاوضية استمرت لعقد كامل، كانت تُبقي على النفوذ الإسرائيلي بمثابة “حارس بوابة” لأي تقدم سعودي في الملف النووي. سقوط هذا الدور تحديدًا – لا سقوط إسرائيل كقوة إقليمية – هو ما يمكن وصفه بدقة بأنه تراجع نسبي، بينما تبقى الهواجس الاستراتيجية الإسرائيلية المتعلقة بخطر الانتشار النووي ومستقبل التوازن الإقليمي مطروحة، وربما تتفاقم مستقبلاً.
فإذا كان المقصود بـ”كسر الشوكة” إجبار واشنطن على تلبية مطلب سعودي كبير من دون تحقيق الشرط الإسرائيلي المتعلق بالتطبيع، فالرياض حققت مكسبًا تفاوضيًا واضحًا. أما إذا كان المقصود إضعاف إسرائيل استراتيجيًا أو إنهاء نفوذها الإقليمي، فلا مؤشرات موضوعية حتى الآن تدعم هذا الوصف.
















