مع تقدّم فعاليات كأس العالم 2026، تتأكد كل يوم حقيقة واحدة: لم يعد حارس المرمى ذلك اللاعب الذي يكتفي بالتصدي للكرات في اللحظات الحاسمة، بل أصبح ركيزة تكتيكية كاملة، يُبنى حولها أسلوب لعب المنتخبات بأكملها. بين الانطلاقات الهجومية من العمق، والتفوق الجسدي في الكرات الهوائية، يعيش هذا المركز تحوّلاً عميقاً يفرض نفسه على الملاعب الأمريكية الشمالية هذا الصيف.
مفارقة المونديال: حراس يتألقون… وأهداف تتساقط
كشفت الجولات الأولى من البطولة عن مفارقة لافتة، فبعد المباريات الأولى، لم تنتهِ سوى أربع مواجهات بالتعادل السلبي، وباستثناء أداء منتخب إنجلترا المخيّب أمام غانا، تألق حراس المرمى في بقية المباريات. الحارس الكوراساوي إيلوي روم قدّم أبرز مثال على ذلك، إذ تصدى لخمس عشرة كرة أمام الإكوادور، محققاً نقطة تاريخية لمنتخب بلاده، ليصبح صاحب أكبر عدد تصديات في مباراة واحدة ضمن الوقت الأصلي في تاريخ كأس العالم.
لكن هذا التألق الفردي لم يمنع سقوط عدد قياسي من الأهداف، فمنذ نسخة سويسرا 1954 فقط، لم تصل أي بطولة إلى عتبة المئة هدف بهذه السرعة، فيما بلغ معدل الأهداف في كل مباراة أعلى مستوى له منذ 1970. ويعزو خبراء هذا الارتفاع إلى اتساع الفارق بين المنتخبات بعد توسيع البطولة إلى 48 منتخباً، إذ أظهرت الإحصائيات أن عدداً كبيراً من الأهداف جاءت نتيجة أخطاء فردية، غالباً ما ارتبطت بأخطاء الحراس في الالتقاط أو التمركز أو التمرير بالقدم.
من “آخر رجل” إلى “أول مُوزّع” للكرة
يعود هذا الثقل المتزايد لمركز الحراسة إلى تحوّل تكتيكي بدأ يتبلور منذ أكثر من عقد. فالحارس الحديث لم يعد مجرد خط دفاعي أخير، بل أصبح صانع اللعب الأول في العديد من المنتخبات. وبات بعض الحراس يلامسون الكرة أكثر من سبعين مرة في المباراة الواحدة، وهو رقم يقترب من إحصائيات لاعب الوسط، فيما يتفوق آخرون بدقة تمريراتهم القصيرة أو بمشاركتهم الفعلية كلاعب ميدان إضافي.
هذا النمط، المعروف بـ”الحارس الكاسح”، يتيح للمنتخبات الحفاظ على خط دفاعي مرتفع دون التعرض لمخاطر الهجمات المرتدة. فالحارس الكاسح يغادر منطقة جزائه بشكل نشط لإبعاد الخطر واعتراض التمريرات ومساندة المدافعين والمشاركة في بناء الهجمات، على عكس الحارس التقليدي الذي كان يلازم خط مرماه. وهذا الأسلوب يقلل من هشاشة الفريق أمام الكرات العميقة، ويحسّن الاستحواذ، ويمنح المدافعين ثقة أكبر للضغط في مناطق متقدمة، لكنه يحمل في المقابل مخاطرة واضحة: أي خطأ تقني بعيداً عن المرمى قد يتحول فوراً إلى هدف.
وتُعدّ هذه المقاربة اليوم عماد أسلوب لعب العديد من المنتخبات المرشحة لهذه النسخة، ومن بينها الأرجنتين والبرازيل والبرتغال وألمانيا وفرنسا وإسبانيا، التي تراهن على حراس مبادرين للتحكم في وتيرة اللعب ومنع الهجمات المرتدة.

الطول: الميزة التي لا يمكن تجاهلها
إلى جانب البُعد التكتيكي، تفرض المعطيات الجسدية نفسها بقوة عند الحديث عن مركز الحراسة. فكرة المرمى، أكثر من أي مركز آخر، تكافئ الطول الفارع. فمن بين أطول عشرة لاعبين في هذه النسخة من كأس العالم، غالبيتهم من حراس المرمى، وذلك لأن الطول يمنح ميزة واضحة في التحكم بمنطقة الجزاء والسيطرة على الكرات الهوائية واعتراض العرضيات.
والأرقام هنا لافتة: الحارس النمساوي فلوريان فيغيله، الذي يبلغ طوله 2.05 متر، هو أطول لاعب في كأس العالم 2026، بل أصبح أطول لاعب يُسجَّل في تاريخ النهائيات النهائية للبطولة على الإطلاق. ويأتي خلفه مباشرة الحارس الكولومبي ألفارو مونتيرو، بطول 2.01 متر، إلى جانب مدافع البوسنة والهرسك ستيبان راديليتش الذي يشاركه الطول ذاته. هذا التفاوت الكبير في القامات يعكس أهمية العامل الجسدي في كرة القدم الحديثة، خصوصاً في اللحظات الحاسمة داخل منطقة الجزاء وأثناء تنفيذ الركلات الثابتة.لكن الطول ليس وحده كافياً لضمان النجاح؛ فالخبرة تلعب دوراً موازياً في هذا المركز تحديداً. وتشير الإحصائيات إلى أن ستة من أصل أطول عشرة لاعبين سناً في البطولة هم من حراس المرمى، وهو ما يعكس أن هذا المركز، رغم قلة اعتماده على السرعة والتسارع، يتطلب ردود أفعال وتركيزاً وخبرة تراكمية كبيرة. وهذا يفسر استمرار حراس تجاوزوا الأربعين من العمر في المنافسة على أعلى المستويات الدولية.
نحو جائزة القفاز الذهبي
هذا الصعود اللافت لدور الحارس ينعكس أيضاً على سباق جائزة “القفاز الذهبي”، التي توّجت الأرجنتيني إميليانو مارتينيز في النسخة السابقة بقطر. ومن بين أبرز المرشحين لهذه الدورة، الفرنسي مايك ماينان الذي يجسّد بامتياز صورة الحارس الحديث: رياضي البنية، مهيمن على منطقته، ويتحلى بثقة كبيرة في التعامل مع الكرة بقدميه، إلى جانب البلجيكي تيبو كورتوا والسويسري يان زومر، وكذلك الثلاثي الإسباني أوناي سيمون وديفيد رايا وخوان غارثيا، الذين يستفيدون من أسلوب لعب “الروخا” القائم على الاستحواذ وتقليل التهديدات المباشرة على مرماهم، ما يمنح أياً منهم فرصة جيدة لتحقيق نظافة شباك عديدة.

مركز يعيد تعريف نفسه
يؤكد مسار كأس العالم 2026 أن حارس المرمى لم يعد مجرد بوليصة تأمين خلف خط الدفاع، بل أصبح ركناً أساسياً في المنظومة التكتيكية، لا يقل أهمية عن لاعب وسط ميداني أو ظهير هجومي. فقدرته على قراءة اللعب، وتوزيع الكرة تحت الضغط، وإطلاق الهجمات المرتدة بسرعة، باتت تُقاس اليوم إلى جانب معطياته الجسدية وردود أفعاله الغريزية، في معادلة متكاملة تجعل من هذا المركز أحد أكثر مراكز الملعب تعقيداً وأهمية في كرة القدم المعاصرة.
وستُظهر بقية أدوار الإقصاء ما إذا كان بإمكان هذا الجيل الجديد من “الحراس الصانعين” أن يكرر ما فعله نظراؤهم في قطر 2022، ليصبحوا صنّاع التتويج النهائي لمنتخباتهم.
عبداللطيف بن هدية
















