في مشهد صادم يختزل حجم التردّي الذي تعيشه بعض المرافق العمومية استفاق عدد من المواطنين صباح اليوم على وقع حريق اندلع بمقبرة الجلاز أكبر وأعرق مقابر تونس مخلفًا حالة من الاستياء والغضب في صفوف الزائرين وعائلات الموتى فبدل أن يجد المواطن مكانًا يليق بحرمة الموتى ويحفظ كرامتهم اصطدم بأكوام من الفضلات والأعشاب اليابسة التي تحولت إلى وقود سهل للنيران في صورة تعكس حجم الإهمال والتقصير الذي تعانيه المقبرة منذ سنوات.
وتطرح هذه الحادثة أكثر من علامة استفهام حول دور المصالح البلدية ومدى متابعتها لوضعية المقبرة، خاصة أن العديد من الزائرين سبق أن نبهوا إلى تدهور النظافة وتراكم الأوساخ والنفايات داخل المقبرة وحولها دون أن يلمسوا تدخلًا فعليًا ومستدامًا يعالج أصل المشكلة.

الأهالي يؤكدون أن الوضع لم يعد يحتمل فالمقبرة التي يفترض أن تكون فضاءً للسكينة والترحم على الأحبة تحولت إلى مصدر قلق واستياء بسبب انتشار الفضلات والأعشاب الجافة وغياب الصيانة الدورية ويعتبر عدد من المواطنين أن ما حدث اليوم لم يكن مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة طبيعية لسنوات من التهاون وعدم الجدية في التعامل مع هذا المرفق الحساس. ويبقى السؤال المطروح بإلحاح: أين البلدية؟ وأين خطط النظافة والصيانة الوقائية؟ وهل يعقل أن تصل حالة الإهمال إلى حد تهديد مقابر الموتى بالحرائق؟ إن الحفاظ على المقابر ليس مجرد عمل بلدي روتيني بل هو واجب أخلاقي وحضاري يعكس مدى احترام المجتمع لموتاه.

وما حدث في الجلاز اليوم يجب أن يكون جرس إنذار حقيقي يدفع إلى تحرك عاجل لوضع حد لهذه المظاهر المسيئة لأن كرامة الموتى من كرامة الأحياء ولأن المقابر ليست فضاءات منسية يمكن تركها فريسة للإهمال والنيران فإذا كانت شكاوى المواطنين لم تجد آذانًا صاغية طوال السنوات الماضية فإن صور الحريق والدخان المتصاعد من مقبرة الجلاز اليوم تفرض على المسؤولين التحرك الفوري وتحمل مسؤولياتهم كاملة أمام الرأي العام.
ايمان مهني















