في السنوات الأخيرة، تغيّر المشهد الإعلامي في تونس بشكل لافت. لم تعد الكاميرا حكرا على الصحفي، ولا صار الميكروفون عنوانا للمؤسسات الإعلامية فقط. اليوم، يكفي هاتف ذكي وحساب على مواقع التواصل ليصبح أي شخص “صانع محتوى”، ينقل الأخبار، يعلّق على الأحداث، ويصنع الرأي العام في دقائق معدودة.
لكن خلف هذا الانفجار الرقمي، تختبئ أزمة حقيقية بدأت تخنق الصحفي والصحافة المهنية بصمت.
لقد أصبح صُنّاع المحتوى في كل مكان. في المؤتمرات، في الشوارع، أمام المحاكم، داخل الملاعب، وحتى في قلب المآسي والكوارث. أعدادهم تتزايد بشكل مذهل، إلى درجة أنّ بعض الأحداث الوطنية الكبرى أصبحت تضم عددا قليلا جدا من الصحفيين المحترفين، مقابل عشرات وربما مئات من صُنّاع المحتوى الذين يبحثون عن “الترند”، والمشاهدات، والسبق السريع، ولو على حساب الحقيقة والمهنية.
الصحفي الحقيقي لا يبحث فقط عن صورة أو مقطع فيديو سريع. الصحفي يحقق، يدقق، يتثبت، يسأل، يراجع، ويحترم أخلاقيات المهنة. الصحفي يحمل مسؤولية الكلمة وتأثيرها على المجتمع. أما كثير من صُنّاع المحتوى، فقد حوّلوا الخبر إلى مادة استهلاكية سريعة، هدفها الإثارة وجمع التفاعلات، لا خدمة الحقيقة.
في خضم هذا الزحام، أصبح الصحفي يعمل في ظروف صعبة جدا. الكاميرات العشوائية تعطل التغطية، الضجيج يفسد العمل الميداني، السباق المحموم نحو “البث المباشر” يقتل عمق المعالجة الصحفية. لم يعد هناك وقت للتحقق أو التحليل، لأن الجميع يريد أن يكون الأول، حتى وإن كان مخطئا.
الأخطر من ذلك، أن الجمهور نفسه بدأ يخلط بين الصحفي وصانع المحتوى. اختلطت المهنية بالاستعراض، واختفى الخط الفاصل بين الإعلام والفرجة. وأصبح الرأي الشخصي يُقدَّم أحيانا كأنه حقيقة مطلقة، بينما تتراجع قيمة التحقيق الصحفي الرصين أمام فيديو قصير مليء بالصراخ والعناوين الصادمة.
هذه الظاهرة لا تهدد الصحفي فقط، بل تهدد وعي المجتمع بأكمله.
فعندما تضعف الصحافة، تضعف الحقيقة. وعندما يصبح “الترند” أهم من المعلومة الدقيقة، يصبح الرأي العام عرضة للتضليل والتلاعب. الصحافة ليست مجرد مهنة، بل هي خط الدفاع الأول عن وعي الشعوب، وعن حق المواطن في معرفة الحقيقة كاملة، لا مجتزأة ولا مزيفة.
لا أحد يعارض حرية التعبير، ولا أحد يرفض التطور الرقمي. فوسائل التواصل فتحت أبوابا جديدة للإبداع والنقل السريع، وهذا أمر إيجابي في حد ذاته. لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الفضاء الإعلامي إلى فوضى، وعندما يصبح كل حامل هاتف “صحفيا” دون تكوين، دون أخلاقيات، ودون مسؤولية.
الصحفي لا يحتاج إلى مزيد من التضييق… بل يحتاج إلى الحماية.
يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإلى قوانين تحمي المهنة، وإلى جمهور واعٍ يميز بين العمل الصحفي الجاد وبين المحتوى السريع الذي يُستهلك في ثوانٍ ويُنسى في ثوانٍ أخرى.
إن إنقاذ الصحافة اليوم ليس دفاعا عن الصحفي فقط، بل دفاع عن الحقيقة، عن الوعي، وعن مستقبل بلد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى إعلام مهني نزيه، لا إلى ضجيج رقمي يبتلع كل شيء.
وفي النهاية، قد يصنع “صانع المحتوى” ضجة ليوم واحد…
لكن الصحفي الحقيقي هو من يصنع ذاكرة وطن.
















