تشهد وتيرة الإصلاحات في تونس بطئًا لافتًا، خاصة في القطاعات الحيوية التي ما تزال خاضعة لنصوص قانونية تعود إلى عقود مضت. ويُعدّ قطاع الحبوب من أبرز هذه القطاعات، حيث ظلّ دون إصلاح هيكلي حقيقي رغم التحديات المتزايدة التي يواجهها.
في هذا السياق، صدر مؤخرًا بالرائد الرسمي أمر مشترك مؤرخ في 2 أفريل 2026، يجمع بين وزارتي الفلاحة والتجارة، ويتعلق بضبط نسب استخراج السميد والدقيق. ويُعتبر هذا القرار خطوة مفصلية من شأنها إعادة تشكيل منظومة تحويل الحبوب في تونس، وفتح الباب أمام إصلاحات أعمق، لا سيما في ما يتعلق بمنظومة الدعم الغذائي.
منظومة قديمة بثغرات متعددة
قبل هذا التعديل، كان نظام إنتاج الدقيق يقوم على تعددية في الأصناف، مع تداخل واضح بين الدقيق المدعّم والموجه للاستهلاك العام، والدقيق المخصص للاستهلاك الحر. هذا التداخل، إلى جانب اختلاف نسب الاستخراج، خلق بيئة ملائمة للغش، وأدى إلى صعوبات في المراقبة، فضلًا عن تدنّي جودة الخبز.
كما أن ضعف نسب الاستخراج، التي لم تكن تتجاوز 78% بالنسبة للدقيق المدعّم، كان يُسهم في خسائر غير مباشرة على مستوى الإنتاج، في ظل ارتفاع كلفة توريد الحبوب.
إعادة هيكلة واضحة للمنتوج
القرار الجديد جاء ليُبسّط هذه المنظومة، عبر تقليص أنواع الدقيق إلى صنفين فقط: دقيق خبزي موجّه للاستهلاك اليومي، ودقيق خاص بالحلويات والخبز الرفيع. كما تم توحيد نوع السميد.
غير أن التحول الأهم يكمن في الترفيع في نسبة استخراج الدقيق الخبزي إلى 85%، مقابل 78% سابقًا. هذا التعديل التقني يحمل في طياته أبعادًا اقتصادية وغذائية هامة، إذ يتيح إنتاج كميات أكبر من الدقيق من نفس الكمية من القمح، ويُحسّن في الآن ذاته القيمة الغذائية للمنتوج.
تحسن منتظر في جودة الخبز
من المنتظر أن ينعكس هذا التغيير مباشرة على جودة الخبز المدعّم، الذي سيصبح أكثر غنى من الناحية الغذائية، مع لون يميل إلى البني وقوام أكثر تماسكًا. كما يُتوقع أن تكون مدة صلاحيته أطول، ما قد يساهم في الحد من التبذير.
في المقابل، سيساعد هذا النظام الجديد على تسهيل عمليات المراقبة الاقتصادية، من خلال وضوح أكبر في التمييز بين الدقيق المدعّم وغير المدعّم، وهو ما من شأنه أن يقلّص من حجم التجاوزات التي تُكبّد الدولة خسائر سنوية هامة.
رهانات مالية وضغوط خارجية
يأتي هذا الإصلاح في سياق دولي يتسم بارتفاع أسعار الحبوب، وهو ما يثقل كاهل المالية العمومية. وقد خصصت الدولة في قانون المالية لسنة 2026 اعتمادات هامة لدعم المواد الأساسية، تحتل فيها الحبوب موقعًا محوريًا.
كما تظل تونس معتمدة بشكل كبير على التوريد لتلبية حاجياتها من القمح، خاصة القمح اللين، وهو ما يجعل أي تحسين في مردودية الإنتاج أو ترشيد في الاستهلاك مسألة ذات أولوية استراتيجية.
إصلاح جزئي في انتظار الأهم
ورغم أهمية هذا القرار، فإنه يظل خطوة جزئية ضمن مسار إصلاحي أشمل. إذ تبقى الحاجة ملحّة لإعادة النظر في منظومة الدعم برمتها، بما في ذلك الصندوق العام للتعويض، لضمان توجيه الدعم لمستحقيه وتحقيق التوازن بين العدالة الاجتماعية والاستدامة المالية.
في المحصلة، يبدو أن “الخبز الجديد” ليس مجرد تغيير في الشكل أو المذاق، بل هو عنوان لتحول أعمق، قد يعيد رسم ملامح أحد أكثر القطاعات حساسية في الاقتصاد التونسي.




















