إعادة بناء هوية قوية ومستقرة للمنتخب الوطني التونسي لم تعد مسألة البحث عن مدرب “منقذ” بقدر ما أصبحت حاجة إلى مشروع متكامل، يقوم على التعاون، والاستمرارية، والعمل الجماعي الذكي.
من هذا المنطلق، يبرز خيار الاعتماد على ثنائي فني متكامل مثل خالد بن يحيى وراضي الجعايدي كحل يستحق أن يُطرح بجدية في النقاش الرياضي الوطني.
اختلاف ظاهري… وانسجام عميق
قد يبدو للوهلة الأولى أن المسارين مختلفان، لكن التعمق فيهما يكشف تقاطعًا واضحًا في الرؤية والأهداف.
خالد بن يحيى يُعد من المدربين الذين يؤمنون بالبناء الهادئ والعمل المرحلي. يتميز بدقة القراءة التكتيكية، والصرامة في التنظيم، والقدرة على إدارة المجموعات، إضافة إلى خبرة طويلة في تكوين فرق تنافسية داخل تونس وخارجها، حتى في ظل إمكانات محدودة، مع الحفاظ على سقف عالٍ من المتطلبات.
في المقابل، يجسد راضي الجعايدي صورة اللاعب الدولي السابق الذي تشكل وعيه الكروي في أوروبا. يحمل معه ثقافة النسق العالي، والانضباط الدفاعي الحديث، والاحترافية الصارمة، إلى جانب تجربة معتبرة في العمل مع الشبان، ما يمنحه رؤية معاصرة لكرة القدم وفق المعايير الدولية.
ثنائية تعالج مكامن الخلل
لم يكن الإشكال الحقيقي للمنتخب التونسي يومًا في قلة المواهب، بل في غياب الانسجام، وتذبذب الرؤية، وضعف التنسيق داخل الإطار الفني.
العمل بثنائية بن يحيى – الجعايدي يمكن أن يحقق:
توازنًا واضحًا في توزيع المسؤوليات الفنية،
انسجامًا بين الخبرة المحلية والانفتاح الخارجي،
ومقاربة جادة لملف تجديد الأجيال، وهو أحد أهم تحديات المرحلة القادمة.
هذا النموذج من القيادة المشتركة من شأنه أن يرسّخ ثقافة عمل حديثة داخل المنتخب، تقوم على التشاور والتكامل بدل تركيز القرار في يد شخص واحد.
هوية كروية واضحة المعالم
تاريخيًا، حقق المنتخب التونسي أفضل نتائجه عندما امتلك ملامح فنية واضحة: دفاع منظم، وسط ميدان منضبط، وهجوم يعتمد على الذكاء في التحرك والتمركز.
هذه الركائز تنسجم تمامًا مع ما يمكن أن يقدمه هذا الثنائي. بن يحيى يمنح الهيكلة والوضوح، والجعايدي يضيف الشراسة الإيجابية والديناميكية. الأول يخطط ويبني، والثاني يفرض الإيقاع ويعزز الشخصية. والنتيجة المحتملة: منتخب بهوية واضحة تحظى بالاحترام قارّيًا ودوليًا.
خيار يتجاوز البعد الرياضي
تعيين ثنائي وطني بهذا الحجم لا يحمل دلالة فنية فقط، بل يبعث برسالة أعمق:
رسالة كرة قدم تونسية تثق في كفاءاتها، تؤمن بالعمل الجماعي، وتبحث عن حلول مبتكرة بعيدة عن الارتجال والقرارات المتسرعة.
ربما آن الأوان للتخلي عن وهم “الرجل المعجزة” والتوجه نحو مشروع تشاركي طويل النفس.
خالد بن يحيى وراضي الجعايدي، بما يمتلكانه من خبرة، وشخصية، وتكامل، قادران معًا على قيادة المنتخب الوطني نحو مرحلة أكثر استقرارًا، ووضوحًا، وطموحًا.
والقرار، في النهاية، يبقى بين أيدي من يملكون رسم مستقبل كرة القدم التونسية.

















