مع انقضاء موسم أعياد رأس السنة وعودة الروتين اليومي، يلاحظ كثيرون تراجعًا مفاجئًا في المزاج والشعور بالحافز، وهي حالة تُعرف شائعًا باسم “كآبة جانفي” أو اكتئاب ما بعد الأعياد. حالة يمرّ بها عدد كبير من الناس حول العالم، دون أن تعني بالضرورة الإصابة بالاكتئاب السريري، لكنها تبقى تجربة مزعجة ومُحبِطة للبعض.
ماذا يحدث داخل الدماغ؟
تُفسّر عالمة النفس البولندية جولانتا بيرك هذه الحالة من خلال ما يُعرف بـ”نظام المكافأة” في الدماغ، والذي يعتمد أساسًا على هرمون الدوبامين، المسؤول عن الإحساس بالمتعة، والتحفيز، والتوقع الإيجابي.
وخلال الأسابيع التي تسبق الأعياد، ترتفع مستويات الدوبامين نتيجة الترقّب والإثارة المرتبطة بالعطل، واللقاءات العائلية، والاحتفالات. لكن مع انتهاء هذه الفترة فجأة، تنخفض هذه المحفّزات، فيحدث تراجع مؤقت في مستوى الدوبامين، يترجم إلى شعور بالفتور، فقدان الحافز، وصعوبة الاستمتاع بالأشياء المعتادة.
مرحلة انتقالية لا أكثر
ويؤكّد المختصون أنّ هذا التراجع المزاجي غالبًا ما يكون مرحلة انتقالية طبيعية تمثّل عملية “إعادة ضبط” للدماغ بعد فترة من التحفيز العالي، ولا يُصنّف كحالة مرضية.
كما تساهم عوامل أخرى في تعزيز هذه الكآبة، من بينها:
-
قِصر ساعات النهار في فصل الشتاء
-
قلة التعرّض لأشعة الشمس
-
العودة المفاجئة إلى ضغط العمل بعد عطلة قصيرة
هرمون الترابط الاجتماعي يتأثّر أيضًا
إلى جانب الدوبامين، يتأثر أيضًا هرمون الأوكسيتوسين، المرتبط بالشعور بالحب والترابط الاجتماعي، والذي يرتفع خلال فترات القرب العائلي والتواصل الاجتماعي. ومع انحسار هذه اللقاءات بعد الأعياد، قد يشعر البعض بنوع من الفراغ العاطفي أو العزلة.
كما أنّ أنماط السهر، وقلة الحركة، والإفراط في الطعام خلال فترة الاحتفالات، تُخلّ بتوازن الساعة البيولوجية للجسم، ما ينعكس تعبًا واضطرابًا في النوم وتقلبًا في المزاج خلال الأسابيع التالية.
كيف نتجاوز كآبة جانفي؟
يشدّد المختصون على أن تجاوز هذه المرحلة لا يحتاج إلى حلول معقّدة، بل إلى خطوات بسيطة وفعّالة، من بينها:
-
التعرّض للضوء الطبيعي صباحًا ولو عبر نزهة قصيرة
-
تنظيم مواعيد النوم والاستيقاظ
-
ممارسة نشاط بدني خفيف كالمشي
-
الحفاظ على تواصل اجتماعي معتدل
-
وضع أهداف صغيرة وواقعية بدل قرارات مرهقة
وتؤكد المعالجة الأسرية أنجولا موتاندا أنّ مجرد التواجد مع الآخرين—even دون حديث مطوّل—يساعد على تحسين المزاج واستعادة التوازن النفسي.
فرصة لبداية هادئة
ويرى الأطباء أن العام الجديد يجب أن يُنظر إليه كفرصة لإعادة ترتيب الأولويات بهدوء، لا كمصدر إضافي للضغط. فالتغيير التدريجي، والاهتمام بالنفس، كفيلان بمساعدة الدماغ والجسم على استعادة توازنهما في وقت قصير.
كآبة جانفي ظاهرة طبيعية… ومع القليل من الوعي والدعم الذاتي، تعود الحيوية تدريجيًا، وتشرق الأيام من جديد.

.jpg)














