أسدل مهرجان قرطاج الدولي الستار على دورته التاسعة والخمسين بسهرة استثنائية حملت عنوان الوفاء بطلتها الفنانة الإماراتية أحلام التي عادت إلى المسرح الروماني بقرطاج بعد ثمانية وعشرين عاماً من أول لقاء جمعها بالجمهور التونسي لتؤكد أن بعض الأمكنة لا تغادر الذاكرة، وأن بعض البدايات تظل راسخة مهما امتد الزمن.
ومنذ اللحظات الأولى نجحت أحلام في نسج خيط من المشاعر مع جمهورها فعلى وقع المقدمة الموسيقية الخالدة لأغنية أم كلثوم “ألف ليلة وليلة” أطلت على الركح وسط استقبال حار، لتفتتح السهرة بأغنية “ناويالك على نية” التي رددها معها الآلاف في مشهد اختلط فيه الطرب بالشوق والحنين.
ولم تُخف الفنانة تأثرها بهذا اللقاء فتوجهت إلى الحضور بكلمات صادقة قالت فيها: “وجودي هنا هو لقاء القلوب… غمرتموني بهذا الحب غنيت على هذا المسرح منذ 28 عاماً، واليوم أشعر وكأنني أقف أمامكم للمرة الأولى. عندما تكون البداية من قرطاج فإن الاستمرارية تكون حتماً من نصيب الفنان، فشكراً لكم من القلب.”
كانت السهرة بمثابة رحلة في أبرز محطات مسيرتها الفنية، حيث رافقتها الفرقة الموسيقية بقيادة المايسترو وليد فايد، وقدمت باقة من أشهر أعمالها التي تفاعل معها الجمهور من بينها “مثير”، و”بطلنا نحب” و”ما يصح إلا الصحيح” و”تدري ليش أزعل عليك” و”عايش حياتك” و”ليه مضايق”، و”رأس قمة”. وعلى امتداد أكثر من ثلاث ساعات حافظت أحلام على حضورها اللافت متنقلة بين الأغنية العاطفية والطربية بإحساس عالٍ وصوت ظل محتفظاً ببريقه وقوته.
وقبل انطلاق الحفل اختارت أن تكرم أستاذها الموسيقار أنور عبد الله بكلمات مؤثرة مستذكرة الرجل الذي آمن بموهبتها في بداياتها وقدم صوتها إلى الجمهور العربي في لفتة عكست وفاءها لمن رافقوا خطواتها الأولى.
وكانت إحدى أكثر لحظات السهرة تأثيراً عندما أعادت أداء الأغنية التونسية “على المقياس” مستحضرة ذكريات أول صعود لها إلى ركح قرطاج سنة 1997 حين نصحها الإعلامي الراحل نجيب الخطاب بأدائها لأنها قريبة من وجدان الجمهور التونسي. وعادت الأغنية هذه المرة محاطة بلوحة راقصة قدمتها الفرقة الوطنية للفنون الشعبية التابعة لمسرح أوبرا تونس لتتعالى الزغاريد والتصفيقات ويتحول المسرح إلى مساحة احتفال بتونس وبالفن العربي الأصيل.

كما لم تتردد الفنانة في الاستجابة لرغبات جمهورها بل منحت طفلاً صعد إلى الركح فرصة مشاركتها أداء أغنية “ما أريد”، في لقطة إنسانية أضفت على السهرة دفئاً خاصاً.
وخلال الندوة الصحفية التي سبقت الحفل أكدت أحلام أن سر استمرارها يكمن في حرصها على انتقاء النصوص والألحان قائلة: “أعشق الكلمة الجميلة واللحن الطربي وأعتبر أن الفن الحقيقي يبدأ من جودة الكلمة.” وهو خيار فني ظل يميز تجربتها ويجعلها من أبرز الأصوات الخليجية التي نجحت في الوصول إلى مختلف الجماهير العربية ومنها الجمهور التونسي الذي احتفظ لها بمكانة خاصة.
وبرهنت سهرة الاختتام أن النجاح لا تصنعه قوة الصوت فقط بل تصنعه أيضاً المصداقية والوفاء والقدرة على بناء علاقة حقيقية مع الجمهور. فقد جاءت أحلام إلى قرطاج وهي تحمل الامتنان للمسرح الذي فتح لها أبواب الانتشار العربي وغادر جمهورها السهرة وهو يردد أغانيها بعد ليلة امتزج فيها الطرب بالذكريات والإبداع بالمحبة.
ولم يكن ارتباط الفنانة بتونس مقتصراً على هذه الأمسية إذ اختارت عدم مغادرة البلاد مباشرة بعد الحفل مفضلة قضاء أيام إضافية رفقة فريق عملها في مبادرة تؤكد تعلقها بتونس ورغبتها في الإسهام في الترويج لها كوجهة سياحية وثقافية وفاءً لبلد تعتبره محطة مفصلية في مسيرتها الفنية.
ايمان مهني

.jpg)














