في ثامن عروض الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان قرطاج الدولي عاد الفنان السوري ناصيف زيتون ليؤكد أن علاقته بجمهور قرطاج لم تعد مجرد لقاءات فنية عابرة بل مسار متواصل من الودّ والتفاعل بدأ منذ أول صعود له على الركح سنة 2017 وتعمّق عبر سنوات من الحفلات المتتالية التي رسّخت حضوره كأحد الأسماء الأكثر قربًا من جمهور المهرجان.
منذ اللحظات الأولى لاعتلائه المسرح الروماني بدا واضحًا أن السهرة تتجه نحو طاقة استثنائية إذ انفجرت الأجواء مع أغنية “تكة” بما تحمله من إيقاعات سريعة وحيوية قبل أن يواصل ناصيف رحلته مع “نامي ع صدري”، في انسجام كامل بين أداء الفنان وتفاعل الجمهور الذي ملأ المدارج وردد الكلمات في مشهد طغت عليه الحماسة منذ البداية. ولم يخفِ ناصيف زيتون خلال السهرة عمق ارتباطه بمهرجان قرطاج معبرًا عن انتظاره السنوي لهذا الموعد الذي يعتبره محطة خاصة في مسيرته الفنية، ومؤكدًا أن لقاء الجمهور هنا يمثل بالنسبة إليه مساحة متجددة من الإلهام والدفع المعنوي.
وفي استعادة لمسيرته الغنائية التي صنعت له موقعًا بارزًا في الساحة العربية تنقل الفنان بين قديمه وجديده جامعًا بين الأغنية العاطفية والإيقاعية، في حضور ركحي يجمع بين الرهافة والانضباط الفني، ويعكس ثقة واضحة في التعامل مع فضاء بات يعرفه جيدًا وتربطه به علاقة ممتدة منذ سنوات. كما تميز الحفل بطابع تفاعلي لافت، حيث لم يكتفِ الفنان بالأداء المتواصل بل فتح حوارات مباشرة مع الجمهور بين الأغاني، متسائلًا عن الأعمال التي يرغب الحضور في سماعها، في مشهد عفوي عزز الإحساس بالقرب وكسر الحاجز التقليدي بين الفنان والجمهور، ليصبح المسرح فضاءً مفتوحًا للتبادل الحي والارتجال اللحظي. وقد امتدت قائمة الأغاني التي تفاعل معها الجمهور بين “بالأحلام”، و”حبيبي وبس”، و”نامي ع صدري”، و”مجبور”، و”قدا وقدود”، وغيرها من الأعمال التي تحولت مع الوقت إلى نقاط اتصال دائمة بين الفنان ومحبيه يرددونها كورالًا جماعيًا يملأ الفضاء بطاقة جماعية لافتة.
وفي لحظة إنسانية مؤثرة أهدى ناصيف زيتون تحية خاصة لروح الفنان الراحل زياد الرحباني، مقدمًا أغنية “قديش كان في ناس”، وسط تفاعل الجمهور الذي انخرط فورًا في الغناء، في مشهد طغى عليه الإحساس والاحترام لرمزية الراحل وإرثه الفني. كما شهدت السهرة لحظات مفاجئة، من بينها صعود الفنان التونسي مرتضى الفتيتي إلى الركح، حيث تقاسم مع ناصيف أداء أغنية “يا سيدي انسى”، في ديو حيّ لقي تفاعلًا كبيرًا من الجمهور قبل أن يطلب منه ناصيف أداء أغنية “بابا”، التي قال إنه تعرّف عليه من خلالها، معلنًا في السياق نفسه عن مشروع عمل فني جديد سيجمعهما قريبًا.
ولم تتوقف العفوية عند هذا الحد إذ تحولت بعض اللحظات إلى مشاهد ارتجالية خالصة، امتزج فيها الغناء باللهجة التونسية بروح مرحة، حين حاول ناصيف زيتون أداء مقاطع من “أصل الزين في العينين”، مؤكدًا تقاربه مع الجمهور التونسي وحرصه على كسر المسافات الثقافية عبر الموسيقى. وهكذا، لم تكن سهرة ناصيف زيتون في قرطاج مجرد عرض غنائي بل تجربة فنية قائمة على التفاعل الحيّ، حيث يصبح الجمهور شريكًا في صناعة اللحظة ويتحول المسرح إلى مساحة مشتركة بين الفنان ومحبيه، في علاقة يبدو أنها تزداد رسوخًا مع كل لقاء جديد.
ايمان مهني

.jpg)














