تحولت منطقة «الروس» جنوبي بلدة مجد الكروم في الجليل خلال أسابيع قليلة من موقع لنشاط رعوي إلى بؤرة خلاف ميداني وقانوني وسياسي، بعدما أقيمت فيها خيام ومنشآت وترافق وجود مجموعة من الأشخاص مع مخاوف لدى السكان من أن تكون الخطوة مقدمة لإقامة بؤرة استيطانية جديدة.
وتشير تقارير إسرائيلية إلى أن التوتر الذي اندلع في المنطقة دفع «الصندوق القومي اليهودي» إلى عقد اجتماع طارئ انتهى بقرار تفكيك المنشآت المؤقتة وإبعادها عن الموقع، مع إبقاء إمكانية استئناف نشاط الرعي قيد الدراسة وفق شروط محددة.
البداية.. خيام ونشاط رعوي يثيران الشكوك
بدأت القضية منتصف سبتمبر، عندما لاحظ سكان مجد الكروم وجود مجموعة من الأشخاص في الأراضي المحيطة بالبلدة، قبل أن تتعزز المخاوف مع نصب خيام وإقامة تجهيزات في الموقع.
وبحسب رئيس اللجنة الشعبية في مجد الكروم رؤوف حمودة، فإن الموجودين عُرفوا محلياً باعتبارهم من «فتية التلال»، وقال إنهم قدموا من مستوطنة في جنوب الخليل بهدف إقامة مزرعة للمواشي. ويؤكد حمودة، وفق الرواية التي نقلها المصدر، أن غياب قطيع من الأغنام أو الماعز عن الموقع، بالتزامن مع إقامة الخيام والمنشآت، عزز شكوك الأهالي بشأن طبيعة النشاط المقام هناك.
وفي المقابل، نفى مستأجرو الأرض أن يكون الهدف إقامة بؤرة استيطانية، وقالوا إن الموقع استُؤجر من «الصندوق القومي اليهودي» لأغراض رعي الأغنام، وإن الأشخاص الموجودين كانوا يساعدون في تجهيز المكان لهذا الغرض.
أرض تتداخل فيها الملكية وتتعقد معها المواجهة
وتبلغ مساحة القطعة محل الخلاف نحو 8.7 دونمات، مع وجود ملكية خاصة وأخرى تابعة لـ«الصندوق القومي اليهودي»، وهو ما جعل مسألة استخدام الأرض وحدود الحقوق فيها جزءاً أساسياً من النزاع.
وقال المواطن سعيد كبت، الذي يملك جزءاً من الأرض، إن حدود الملكية بين الجانبين ليست واضحة بالنسبة إليه، مؤكداً أن أي وجود في الموقع يجب أن يتم بموافقته.
وتشير تقارير أخرى إلى أن الموقع يقع ضمن المجال الإداري لمجد الكروم، فيما تتداخل فيه ملكيات خاصة وأراضٍ تابعة لجهات عامة، الأمر الذي دفع السكان إلى المطالبة بتوضيح الأساس القانوني والإداري الذي سمح بالنشاط في المنطقة.
مئات السكان يتحركون والملف ينتقل إلى القضاء
مع تثبيت الخيام وظهور تجهيزات للمياه والكهرباء، تصاعدت احتجاجات سكان مجد الكروم، حيث توجه مئات الأشخاص إلى الموقع وطالبوا بإخلائه، قبل تدخل الشرطة.
وبالتوازي مع التحرك الميداني، بدأت الجهات المحلية والشعبية في البلدة مساراً قانونياً لفحص قانونية استخدام الأرض والتراخيص المرتبطة بالنشاط، مع التواصل مع جهات حقوقية وأعضاء في الكنيست والجهات الإدارية المختصة.
وتظهر تقارير لاحقة أن الاحتجاجات لم تتوقف عند المطالبة بإزالة الخيام، بل تحولت إلى نقاش أوسع حول طبيعة استخدام الأراضي ومستقبل النشاط الرعوي في المنطقة.
تفكيك المنشآت.. لكن الأزمة لم تنتهِ
وفي 15 سبتمبر، قرر «الصندوق القومي اليهودي» تفكيك المنشآت المؤقتة التي أثارت الأزمة وإبعادها عن النقطة محل الخلاف، مع الإبقاء على إمكانية إعادة النشاط في وقت لاحق وفق شروط مرتبطة بوجود قطيع أغنام فعلي في المكان.
وتفيد تقارير لاحقة بأن المنظمة وضعت شروطاً أكثر تقييداً لأي نشاط رعوي محتمل، من بينها تقليص عدد الموجودين في الموقع، ومنع إقامة بنى تحتية ثابتة، وربط استمرار النشاط بوجود قطيع منظم. وفي المقابل، أكد الصندوق أن أصل النشاط الرعوي لم يُلغَ، وأنه يرى له مبررات مرتبطة باستخدام الأرض والحد من مخاطر الحرائق.
من خلاف محلي إلى ملف سياسي
لم يبقَ الملف محصوراً في حدود مجد الكروم، إذ دخلت شخصيات سياسية إسرائيلية على خط الأزمة، فيما ربط رئيس المجلس المحلي سليم صليبي ما يحدث بتصريحات سابقة لوزير المالية بتسلئيل سموتريتش بشأن توسيع الاستيطان وتعزيز الوجود اليهودي في الجليل.
وبحسب صليبي، فإن هذه التصريحات، إلى جانب مواقف سياسية أخرى، عززت مخاوف السكان من أن تكون قضية «الروس» جزءاً من توجه أوسع، وليس مجرد نشاط رعوي مؤقت. وهذه القراءة تبقى، في الوقت نفسه، موقفاً سياسياً ومحلياً عبّر عنه مسؤولو البلدة، ولا تثبت وحدها وجود خطة استيطانية رسمية في الموقع.
الجليل أمام اختبار جديد
وبذلك، تحولت بضعة خيام في منطقة «الروس» إلى قضية تتقاطع فيها ملكية الأرض، والرعي، والتخطيط، والاحتجاج الشعبي، والسياسة الإسرائيلية. ورغم تفكيك المنشآت التي أثارت الأزمة، فإن الجدل لم يُغلق نهائياً، إذ لا يزال مستقبل النشاط في المنطقة خاضعاً لشروط قانونية وإدارية، فيما يواصل مجلس مجد الكروم متابعة الملف رسمياً وشعبياً وقانونياً.
وتكشف تطورات القضية أن السؤال لم يعد فقط حول خيام أقيمت في أرض مفتوحة، بل حول الحدود بين النشاط الرعوي واستخدام الأرض، وحول كيفية إدارة الأراضي ذات الملكيات المتداخلة في الجليل، في ظل حساسية سياسية واجتماعية متزايدة في المنطقة.

















