في وقت أصبحت فيه المؤسسات تواجه تحولات متسارعة تفرض عليها إعادة التفكير في طرق الإدارة واتخاذ القرار أعلنت MEDRH – اللقاءات المتوسطية للموارد البشرية عن شراكة جديدة مع ICFOA تم توقيعها اليوم في تونس، بالتزامن مع الندوة الصحفية الخاصة بالإعلان عن الدورة العاشرة من MEDRH.
وتأتي هذه الشراكة لتجمع بين منظومتين تنتميان إلى مجالين غالباً ما يتم التعامل معهما بشكل منفصل: المالية من جهة والموارد البشرية من جهة أخرى في محاولة لترسيخ رؤية تعتبر أن الأداء المؤسساتي لا يمكن اختزاله في الأرقام وحدها، كما لا يمكن فصله عن العنصر البشري. منظومتان… وهدف واحد تستند الشراكة إلى إمكانيات وشبكات واسعة للطرفين.
فـICFOA تضم اليوم أكثر من 45 ألف عضو في 25 دولة وعلى ثلاث قارات هي أوروبا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية بينما تحتفل MEDRH بمرور عشر سنوات على انطلاقها، بعد أن استقطبت أكثر من 450 متدخلاً ومحاضراً وسجلت أكثر من 8 آلاف مشارك في كل دورة. وبالنسبة إلى منظمي الشراكة، فإن هذه الأرقام تعكس قدرة الطرفين على خلق فضاء دولي لتبادل الخبرات والتجارب لكن الأهم هو الانتقال من مجرد تبادل المعارف إلى بناء جسور دائمة بين اختصاصات كانت تعمل في كثير من الأحيان بشكل متوازٍ. هل يمكن فصل الأرقام عن الإنسان؟ أحد أبرز الأفكار التي طرحت خلال تقديم هذه الشراكة يتمثل في مراجعة التصور التقليدي الذي يفصل بين مسؤولية الإدارة المالية ومسؤولية الموارد البشرية. فلسنوات، كان الأداء يُقاس أساساً من زاوية مالية في حين كانت التحولات التنظيمية وتطوير الكفاءات تُترك لإدارة الموارد البشرية.
وكان لكل مجال أدواته ومنصاته ومؤشراته الخاصة. لكن واقع المؤسسات اليوم يجعل هذا الفصل أكثر صعوبة. فالقرار المالي يمكن أن يؤثر في الانتداب والتكوين والأجور والاحتفاظ بالكفاءات في حين أن مستوى الكفاءات والتحفيز والإنتاجية والمناخ الاجتماعي داخل المؤسسة ينعكس بدوره على النتائج المالية. وبالتالي، فإن الأرقام التي يتابعها المسؤول المالي والأشخاص الذين يعمل مدير الموارد البشرية على تطويرهم، لا يمثلون مسارين منفصلين بل يشكلون في النهاية عناصر مترابطة في النتيجة نفسها. الشراكة كجسر بين عالمين في هذا السياق، لا تقدم الشراكة بين ICFOA وMEDRH نفسها باعتبارها اكتشافاً للعلاقة بين المال والموارد البشرية وإنما باعتبارها محاولة لإعطاء هذه العلاقة إطاراً مؤسساتياً أكثر وضوحاً.
والرهان يتمثل في خلق مساحة تجمع الخبرات المالية الدولية مع خبرة MEDRH في مجال الموارد البشرية والإدارة بما يسمح بطرح أسئلة تتجاوز الحدود التقليدية لكل اختصاص. فالمؤسسة الحديثة لا تحتاج فقط إلى مدير مالي قادر على قراءة الأرقام، ولا إلى مدير موارد بشرية قادر على تطوير الكفاءات وإنما تحتاج إلى قدرة مشتركة على فهم كيف تتحول القرارات المتعلقة بالإنسان إلى أداء، وكيف يمكن للأداء المستدام أن يبدأ من الاستثمار في الإنسان. الدورة العاشرة لـMEDRH… محطة جديدة وتأتي هذه الشراكة في توقيت رمزي بالنسبة إلى MEDRH التي تحتفل سنة 2026 بمرور عشر سنوات على تأسيسها وخلال هذه الفترة تحولت التظاهرة إلى موعد يجمع المهنيين والخبراء حول قضايا الموارد البشرية والإدارة والتحولات التي تعرفها المؤسسات.
أما الدورة العاشرة، فلا تبدو مجرد احتفال بمرور عقد من الزمن بل فرصة لطرح أسئلة جديدة حول مستقبل العمل، خاصة في ظل الذكاء الاصطناعي، الرقمنة، التحولات في سوق الشغل، تطور مهارات الموظفين وتغير علاقة الأجيال الجديدة بالمؤسسة. ومن هذا المنطلق يمكن للشراكة مع ICFOA أن توسع دائرة النقاش لتشمل العلاقة بين الاستثمار في رأس المال البشري، الأداء المالي والاستدامة المؤسساتية. ماذا بعد توقيع الاتفاق؟ التحدي الحقيقي بالنسبة إلى الشراكة لن يكون في توقيع الاتفاقية بحد ذاته، وإنما في ما ستنتجه خلال المرحلة المقبلة من مبادرات ومشاريع وأدوات يستفيد منها المهنيون والمؤسسات.
من المنتظر وفق ما تم الإعلان عنه الكشف خلال الأسابيع القادمة عن مزيد من التفاصيل المتعلقة بما ستقدمه هذه الشراكة لكل من مجتمع المال والمالية ومجتمع الموارد البشرية. وفي عالم يتغير فيه مفهوم المؤسسة بوتيرة متسارعة، تبدو الرسالة الأساسية لهذه الشراكة واضحة: لم يعد ممكناً النظر إلى الإنسان والرقم باعتبارهما مسارين منفصلين، لأن مستقبل المؤسسة يتشكل من تفاعلهما معاً.
ايمان مهني
















