ايمان مهني
لم يكن هدف قديدة مجرد افتتاح للنتيجة ولم تكن مباراة الإفريقي مجرد 90 دقيقة انتهت ببطاقة عبور إلى الدور الثاني من دوري أبطال إفريقيا. ما حدث في هذه المواجهة يحمل في طياته أكثر من رسالة لأن الفريق لم يخرج منها متأهلا فقط، بل خرج أيضا بعدد من الأجوبة التي كان يبحث عنها.
البداية كانت مع قديدة.
في المباريات التي تكون فيها المساحات ضيقة والضغط كبيرا لا تحتاج إلى لاعب يكثر من لمس الكرة بقدر حاجتك إلى لاعب يعرف أين ومتى يظهر قديدة فعلها في اللحظة المناسبة وكان هدفه الأول بمثابة إعلان واضح عن وجود مهاجم قادر على تحويل العمل الجماعي إلى شيء ملموس على لوحة النتيجة.
الهدف لم يكن مهما فقط لأنه منح الإفريقي الأفضلية بل لأنه أعطى قديدة جرعة كبيرة من الثقة وأرسل في الوقت نفسه إشارة إلى الجهاز الفني والجماهير بأن الفريق بدأ يمتلك حلا هجوميا يمكن التعويل عليه وفي مثل هذه المسابقات امتلاك مهاجم يعرف طريق الشباك قد يساوي نصف الحل.
ثم جاء نكانغ ليكمل الصورة.
هدفه لم يكن مجرد إضافة أخرى إلى النتيجة بل لحظة يحتاجها اللاعب تحديدا لاستعادة ثقته وإسكات جزء من علامات الاستفهام التي رافقت مردوده الهجومي. عندما يجد نكانغ المساحة وعندما يلعب بثقة أكبر فإنه قادر على أن يتحول من لاعب يبحث عن نفسه إلى ورقة مزعجة للمنافس.
وهنا تظهر قيمة الانتصار: الإفريقي لم يسجل فقط بل بدأ يمنح بعض لاعبيه أسبابا جديدة للإيمان بأنفسهم.
أما في الخلف، فالمواجهة قدمت درسا مختلفا. نعم، ظهرت بعض الأخطاء، ومر الفريق بفترات لم يكن فيها مريحا، لكن مثل هذه المباريات هي التي تصنع الدفاعات القوية. التمركز، سرعة رد الفعل، التعامل مع الضغط والمحافظة على التركيز لا تُكتسب من الحصص التدريبية وحدها، وإنما من مباريات يكون فيها الخطأ مكلفا.
وفي كل ذلك كان مهيب شامخا.
حضوره منح الدفاع شيئا أساسيا: الأمان. وحين يكون الحارس في حالة تركيز ويمنح زملاءه الثقة يصبح التعامل مع لحظات الخطر أكثر هدوءا وهو ما يحتاجه الإفريقي كثيرا في مسابقة من حجم دوري أبطال إفريقيا.
لكن إذا كان قديدة قد كتب عنوان البداية فإن الكنزاري كتب عنوان التحول.
مدرب «تكتاك» بالمعنى الذي يحبه جمهور الإفريقي: يقرأ، يلاحظ ويتدخل عندما يشعر بأن المباراة تحتاج إلى تغيير. خياراته في الشوط الثاني لم تكن مجرد تبديلات أسماء وإنما محاولات لإعادة ترتيب الفريق ومنحه فعالية أكبر.
وهذه تحديدا واحدة من أهم نقاط قوة المدرب: المباراة لا تسير دائما كما يريد لكن المدرب الجيد هو الذي يستطيع أن يغيّرها وهي جارية.
الإفريقي لم يقدم مباراة كاملة ولا داعي لتجميل الصورة. هناك أخطاء ومساحات ونقاط تحتاج إلى مراجعة وهناك عمل كبير ينتظر الفريق حتى يصبح أكثر توازنا وقوة. لكن في المقابل ظهرت شخصية مهمة.
الفريق عرف كيف يبدأ، وكيف يسجل وكيف يتعامل مع الضغط، وكيف يستفيد من لاعبيه وكيف يتدخل مدربه عندما تتعقد الأمور.
وهذه كلها مكاسب لا تظهر في جدول النتائج.
قد يكون الإفريقي قد ربح مباراة وتأهل إلى الدور الثاني لكنه في الحقيقة ربح شيئا أهم: بعض الثقة، بعض الحلول، وبعض ملامح الشخصية التي يحتاجها أي فريق يريد الذهاب بعيدا.
قديدة أعطى الإشارة الأولى نكانغ عزز الرسالة مهيب أمّن الخلف والكنزاري حرّك القطع في الوقت المناسب.
أما الباقي فهو عمل طويل يجب أن يبدأ من الغد.
الإفريقي لم يصل بعد… لكنه بدأ يجد الطريق.
















