بعد مرور ربع قرن على هجمات 11 سبتمبر 2001، لم يعد السؤال الأساسي مرتبطاً بما حدث في ذلك اليوم فقط، بل بما فعلته الولايات المتحدة بعده، وبالنتائج التي أفرزتها السياسات التي اتخذتها واشنطن تحت عنوان «الحرب على الإرهاب».
وفي قراءة تحليلية للكاتب سامي العريان، فإن عالم 2026 يختلف بصورة عميقة عن عالم 2001. فالولايات المتحدة لا تزال قوة عسكرية واقتصادية وتكنولوجية كبرى، غير أن مرحلة الأحادية القطبية التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي تراجعت، في مقابل صعود مراكز جديدة للقوة وتحوّل النظام الدولي تدريجياً نحو تعددية أكثر وضوحاً.
من هجمات 11 سبتمبر إلى «الحرب على الإرهاب»
يرى العريان أن هجمات 11 سبتمبر كانت حدثاً مأساوياً أودى بحياة نحو ثلاثة آلاف شخص، وكان يمكن التعامل معها باعتبارها جريمة إرهابية خطيرة تتطلب تعاوناً دولياً لتعقب المسؤولين عنها ومحاكمتهم.
غير أن الإدارة الأميركية اختارت، وفق الكاتب، مساراً مختلفاً، إذ تحولت الهجمات إلى نقطة انطلاق لمشروع عسكري وأمني واسع النطاق تجاوز ملاحقة تنظيم «القاعدة» إلى إعادة تشكيل مناطق بأكملها، خصوصاً في الشرق الأوسط.
ويشير العريان إلى أن تفسيراً سياسياً ساد آنذاك، مفاده أن الولايات المتحدة استُهدفت بسبب «حرياتها وقيمها»، وهو تفسير يرى أنه ساهم في إبعاد النقاش عن مراجعة السياسات الأميركية في المنطقة، بما في ذلك التحالفات مع أنظمة سلطوية، والعقوبات المفروضة على العراق، والوجود العسكري الأميركي، والسياسة الأميركية تجاه القضية الفلسطينية.
أفغانستان والعراق.. حدود القوة العسكرية
كانت أفغانستان أولى ساحات الحرب الجديدة، قبل أن تنتقل الولايات المتحدة إلى العراق عام 2003. ويعتبر العريان أن الغزو العراقي مثّل تحولاً جوهرياً، خصوصاً أن الحرب بُنيت على مزاعم مرتبطة بأسلحة الدمار الشامل، قبل أن تتوسع أهدافها إلى محاولة إعادة بناء النظام السياسي والاجتماعي في البلاد.
لكن النتائج، بحسب هذه القراءة، جاءت بعيدة عن الطموحات الأميركية. فقد استغرقت الحرب في أفغانستان عقدين، وانتهت بانسحاب القوات الأميركية وعودة حركة «طالبان» إلى كابول، فيما أدى غزو العراق إلى سقوط الدولة العراقية القديمة وفتح الباب أمام أزمات سياسية وطائفية وأمنية طويلة الأمد.
ويخلص العريان إلى أن المشكلة لم تكن، في رأيه، مجرد أخطاء في تنفيذ الاستراتيجية، وإنما خلل في الفكرة نفسها: إذ لا يمكن فرض الشرعية السياسية بالقوة العسكرية، ولا يمكن إعادة هندسة المجتمعات بواسطة جيوش أجنبية.
قوة بلا توازن.. عندما تتحول الهيمنة إلى عبء
يربط الكاتب بين نتائج «الحرب على الإرهاب» وبين اللحظة الأحادية القطبية التي كانت تعيشها الولايات المتحدة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
فغياب منافس دولي قادر على فرض تكلفة مباشرة على واشنطن منحها، بحسب العريان، مساحة واسعة للتحرك العسكري والسياسي، من أفغانستان والعراق إلى ساحات أخرى، مع إنفاق هائل على الحروب.
ويستند الكاتب إلى تقديرات مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون، التي قدرت الكلفة الاقتصادية لحروب ما بعد 11 سبتمبر بتريليونات الدولارات، معتبراً أن هذه الموارد استنزفت جزءاً من القدرات الأميركية وأبعدت واشنطن عن التركيز الكافي على التحولات الاقتصادية والجيوسياسية، وفي مقدمتها صعود الصين.
لكن الخسارة، في هذه القراءة، لم تكن مالية فقط، بل طالت أيضاً صورة الولايات المتحدة ومصداقيتها الدولية.
غوانتانامو وأبو غريب.. أزمة القيم والمعايير
من أبرز التناقضات التي يطرحها العريان العلاقة بين الخطاب الأميركي حول الديمقراطية وحقوق الإنسان وبين ممارسات ما بعد 11 سبتمبر.
فالحروب والاعتقالات والتعذيب والسجون السرية وعمليات التسليم القسري للمشتبه بهم، إلى جانب سجن غوانتانامو وسجن أبو غريب، أصبحت، وفق الكاتب، جزءاً من الصورة التي ارتبطت بـ«الحرب على الإرهاب».
ويرى أن هذا التناقض أضعف قدرة واشنطن على تقديم نفسها بوصفها المدافع العالمي عن القانون الدولي وحقوق الإنسان، خصوصاً عندما أصبحت الولايات المتحدة نفسها موضع انتقادات بشأن احترام تلك المبادئ.
وبحسب هذه الرؤية، فإن المشكلة الأخطر لا تكمن فقط في انتهاك قاعدة معينة، وإنما في خلق سوابق تسمح لقوى أخرى باستخدام المنطق ذاته مستقبلاً.
الحرب على الإرهاب.. هل أنتجت جزءاً من المشكلة؟
يرى العريان أن أحد أهم الدروس التي يمكن استخلاصها من ربع قرن من «الحرب على الإرهاب» يتمثل في أن العنف السياسي لا ينشأ في فراغ.
ويشير إلى أن تدمير مؤسسات دول، وخلق فراغات سياسية، واستمرار الاحتلالات والصراعات، إلى جانب استخدام القوة العسكرية بصورة واسعة، ساهمت في خلق بيئات يمكن أن تنمو فيها الجماعات المسلحة.
ولا يعني ذلك، وفق هذا الطرح، تبرير استهداف المدنيين أو الأعمال الإرهابية، وإنما التأكيد على أن مواجهة العنف تتطلب أيضاً فهم الظروف السياسية والاجتماعية التي تساعد على ظهوره وانتشاره.
العالم العربي بين مكافحة الإرهاب والربيع العربي
لم تتوقف تداعيات مرحلة ما بعد 11 سبتمبر عند العمليات العسكرية، بل امتدت، وفق العريان، إلى العالم العربي.
فخطاب مكافحة الإرهاب وفر، بحسب الكاتب، مبررات إضافية لبعض الأنظمة السلطوية لتشديد قبضتها الأمنية، وتصنيف معارضيها ضمن خانة التطرف، بينما واصلت القوى الغربية التعاون مع أنظمة أمنية وسياسية مثيرة للجدل.
ثم جاءت انتفاضات «الربيع العربي» لتكشف، في رأيه، أن المجتمعات العربية لم تكن محصورة بالضرورة بين الاستبداد والتطرف، بل أن ملايين المواطنين خرجوا مطالبين بالكرامة والحرية والمشاركة السياسية والمساءلة.
غير أن تلك الموجة سرعان ما اصطدمت بثورات مضادة وصراعات وحروب أهلية وتدخلات إقليمية ودولية، فانتهت تجارب عدة إلى الفوضى أو عودة السلطوية أو الانقسام، بحسب اختلاف الحالات.
تآكل قواعد النظام الدولي
من أبرز الاستنتاجات التي يطرحها الكاتب أن تجاهل القواعد الدولية من قبل قوة كبرى قد يؤدي في النهاية إلى إضعاف النظام الذي يفترض أن يحمي الجميع.
فإذا أصبحت السيادة قابلة للانتهاك وفقاً للظروف، وإذا أصبح القانون الدولي يُطبق بصورة انتقائية، وإذا تحولت الاستثناءات إلى ممارسات دائمة، فإن قدرة المؤسسات والقواعد الدولية على ضبط النزاعات تتراجع.
ويرى العريان أن السنوات التي أعقبت 11 سبتمبر شهدت توسعاً في مفاهيم مثل الحرب الوقائية والاحتجاز غير محدد المدة والاغتيالات خارج إطار المحاكمة، وهو ما ساهم، في تقديره، في إضعاف القيود التقليدية على استخدام القوة.
ويحذر من أن عالمًا تصبح فيه القوة بديلاً عن القانون سيكون أكثر خطورة، خصوصاً في ظل تصاعد التوترات الدولية وعودة الحديث عن استخدام الأسلحة النووية.
فلسطين.. قضية لا يمكن فصلها عن المشهد
يخصص العريان حيزاً واسعاً للقضية الفلسطينية، معتبراً أن السياسة الأميركية تجاه إسرائيل وفلسطين تمثل أحد المحاور الأساسية لفهم العلاقة المتوترة بين واشنطن والعالم العربي والإسلامي.
ويرى أن الدعم الأميركي السياسي والعسكري لإسرائيل، بالتوازي مع استمرار الاحتلال والاستيطان والحصار والحروب في غزة، ساهم في تعميق التناقض بين الخطاب الأميركي حول حقوق الإنسان وبين ممارساته على الأرض.
وبحسب الكاتب، فإن أحداث السابع من أكتوبر وما تلاها من حرب في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى قلب النقاش الدولي، وكشفت، في نظره، حجم التباين بين المواقف الغربية الرسمية وبين قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، خصوصاً بين الشباب.
ويؤكد العريان أن أي قراءة جدية لأحداث المنطقة لا يمكن أن تتجاهل السياق التاريخي للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، مع التأكيد على أن فهم أسباب الصراع لا يعني تبرير استهداف المدنيين.
الإسلاموفوبيا.. من التحيز إلى السياسة الأمنية
على المستوى الداخلي الأميركي، يرى العريان أن أحداث 11 سبتمبر ساهمت في تحويل الإسلاموفوبيا من ظاهرة اجتماعية إلى قضية ذات أبعاد أمنية ومؤسساتية.
ويشير إلى ما يعتبره توسعاً في مراقبة المساجد والمنظمات الإسلامية، واستخدام المخبرين وقوائم المراقبة، والتدقيق الأمني، إضافة إلى إجراءات أثرت في المسلمين الأميركيين بصورة خاصة.
ويعتبر الكاتب أن هذه السياسات لم تضر المسلمين وحدهم، لأن توسيع صلاحيات الدولة الأمنية قد يبدأ باستهداف أقلية معينة ثم يمتد تدريجياً إلى قطاعات أخرى من المجتمع.
ومن هذا المنطلق، يربط العريان بين الدفاع عن حقوق المسلمين الأميركيين والدفاع الأوسع عن الحريات المدنية داخل الولايات المتحدة.
القوة السياسية لا تُبنى بالقبول الرسمي
ويخلص الكاتب إلى أن الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة مطالبة، وفق رؤيته، ببناء قوة سياسية ومؤسساتية مستقلة بدلاً من السعي إلى القبول الرسمي عبر التنازل عن المبادئ.
فالقوة السياسية، كما يقدمها العريان، لا تقاس بالقرب من المسؤولين أو المشاركة في المناسبات الرسمية، وإنما بقدرة المجتمع على التنظيم، وبناء المؤسسات، وإنتاج القيادات، وتطوير الإعلام المستقل، والاستفادة من الأدوات القانونية والسياسية، وتشكيل تحالفات مع قوى اجتماعية أخرى.
ويرى أن التجارب السابقة أظهرت أهمية العمل المتواصل، وعدم الاكتفاء بالمظاهرات أو الحملات الإعلامية أو المشاركة الانتخابية وحدها.
عالم 2026 ليس عالم 2001
بعد 25 عاماً، يقدّم العريان حكماً واسعاً على مرحلة ما بعد 11 سبتمبر، مفاده أن الولايات المتحدة حققت انتصارات عسكرية عديدة لكنها لم تحقق الأهداف السياسية الكبرى التي ربطتها بـ«الحرب على الإرهاب».
ويشير إلى تقديرات مشروع «تكاليف الحرب» في جامعة براون، التي تقدر الوفيات المباشرة في مناطق حروب ما بعد 11 سبتمبر بنحو 940 ألف وفاة، فضلاً عن ملايين الوفيات غير المباشرة وعشرات ملايين النازحين.
وبصرف النظر عن المواقف السياسية المختلفة من هذا التقييم، فإن الحصيلة التي يطرحها الكاتب تضع سؤالاً أساسياً أمام الولايات المتحدة والعالم: هل يمكن للقوة العسكرية وحدها أن تفرض نظاماً سياسياً مستقراً، أو أن تعيد تشكيل مجتمعات بأكملها؟
ربع قرن من الحرب.. ونظام دولي جديد
بعد مرور ربع قرن على 11 سبتمبر، تبدو الصورة الدولية مختلفة جذرياً عن تلك التي كانت قائمة في بداية القرن الحالي. فالولايات المتحدة لا تزال تمتلك قدرات استثنائية، لكنها لم تعد تتحرك في عالم أحادي القطب كما كان عليه الحال بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
لقد صعدت قوى جديدة، وتوسعت المنافسة الدولية، وبرزت مراكز متعددة للقوة، فيما أصبحت دول الجنوب العالمي أكثر اعتراضاً على نظام دولي تعتبره خاضعاً بصورة مفرطة لإرادة القوى الكبرى.
ومن هنا، يرى العريان أن الدرس الأهم من السنوات الخمس والعشرين الماضية لا يتعلق فقط بما حدث في 11 سبتمبر 2001، بل بما حدث بعده: كيف يمكن للخوف أن يعيد تشكيل السياسة، وكيف يمكن للقوة غير المقيدة أن تنتج نتائج عكسية، وكيف يمكن لانتهاك القواعد الدولية أن يهدد النظام الذي يفترض أن يحميها.
وفي النهاية، فإن استحضار ذكرى 11 سبتمبر بعد ربع قرن لا ينبغي أن يقتصر على إحياء مأساة الماضي، بل يجب أن يفتح نقاشاً أوسع حول الحروب التي أعقبتها، وتكاليفها الإنسانية والسياسية، وحدود القوة العسكرية، ومستقبل النظام الدولي.
فالتاريخ، في جوهره، لا يكتسب قيمته من عدد المرات التي نتذكر فيها أحداثه، وإنما من قدرتنا على فهم أخطائه وتجنب تكرارها.
















