في سهرة الرابع من أوت 2026 ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي لم يكن جمهور المسرح الأثري على موعد مع حفل موسيقي فحسب بل مع رحلة استثنائية عبر التاريخ والذاكرة والجمال. فقد حملت فرقة روندو فينيزيانو الإيطالية جمهورها إلى عوالم تتجاوز حدود اللغة والجغرافيا حيث تتحول الموسيقى إلى لغة إنسانية مشتركة قادرة على استحضار الحضارات وإحياء الذاكرة الثقافية.
منذ اللحظات الأولى للعرض فرضت الآلات الموسيقية حضورها الآسر. خمس عشرة كمنجة نسجت خيوط الحكاية فيما تصدر البيانو المشهد بوصفه القلب النابض للموسيقى الكلاسيكية. وعلى الركح ظهرت سبع عازفات بأزياء مستوحاة من العصر الباروكي بينما اختار بقية أعضاء الفرقة اللون الأسود في مشهد بصري يعكس هوية المجموعة التي طالما مزجت بين الأداء الموسيقي والفرجة البصرية، لتمنح الجمهور تجربة تستحضر أناقة القرن الثامن عشر وروح الفن الإيطالي.
لم تكتف الفرقة بعزف المقطوعات بل صنعت فضاءً تتداخل فيه الموسيقى مع التاريخ. فالإيقاعات الهادئة أعادت إلى الأذهان أمسيات البندقية الحالمة، بينما حملت المقاطع الأكثر قوة صدى التاريخ الإيطالي وعظمة روما. وفي الخلفية عززت الصور المعروضة على الشاشة هذا الإحساس إذ حضرت معالم فينيسيا وقصورها التاريخية وكأن الجمهور التونسي مدعو إلى جولة في مدينة الماء والجمال، حيث تتعانق الذاكرة مع الفن.
وتكتسب هذه التجربة خصوصيتها لأن روندو فينيزيانو ليست مجرد فرقة موسيقية بل مشروع ثقافي امتد لأكثر من أربعة عقود. فقد تأسست سنة 1979 على يد الملحن وقائد الأوركسترا جيان بييرو ريفيربيري ونجحت في ابتكار أسلوب موسيقي يمزج بين موسيقى الباروك الفينيسية والإيقاعات المعاصرة والبوب وهو ما جعلها تحقق انتشاراً عالمياً وتبيع أكثر من 25 مليون أسطوانة لتصبح واحدة من أنجح التجارب الموسيقية الإيطالية على الساحة الدولية.
وخلال الندوة الصحفية التي سبقت الحفل أعلن المايسترو جيان بييرو ريفيربيري أن هذه السهرة ستكون آخر ظهور له قائداً للأوركسترا، مفسحاً المجال أمام عازف البيانو لقيادة المرحلة المقبلة، في خطوة تؤكد حرصه على استمرارية المشروع وتجديده مع الحفاظ على روحه الفنية الأصيلة.
وجاء البرنامج الموسيقي ثرياً بالمعاني والدلالات. فمن “فصول البندقية” التي تألقت فيها الكمنجات إلى “لقاء سحري” التي منح فيها البيانو الجمهور لحظات من الصفاء مروراً بـ**”رقصة متوسطية”** التي جمعت بين آلات النفخ والقيثارة، وصولاً إلى مقطوعات “سحر البندقية” و**”لآلئ الشرق”** و**”لحظات السحر”** و**”كازانوفا”**، بدت كل معزوفة نافذة جديدة على جانب من التاريخ والثقافة الإيطالية.
وكانت مقطوعة “لا سيرينيسيما”، المستوحاة من اللقب التاريخي لمدينة البندقية من أبرز محطات السهرة. فقد اتسمت بقوة إيقاعاتها، حيث لعبت آلة الدرامز دوراً محورياً في رسم ملامحها بينما تداخلت التوزيعات الموسيقية الحديثة مع الألحان المستوحاة من العصر الباروكي في تجسيد واضح لفلسفة الفرقة القائمة على الحوار بين الماضي والحاضر.
ولم يكن نجاح روندو فينيزيانو وليد الصدفة فقد انطلقت في الأصل من تعاون بين جيان بييرو ريفيربيري وشركة Baby Records بهدف دعم الموسيقيين الشباب المتخرجين من المعاهد الموسيقية الإيطالية. وسرعان ما تحولت إلى ظاهرة أوركسترالية أحدثت نقلة نوعية في المشهد الموسيقي الأوروبي من خلال تقديم رؤية جديدة تجمع بين أصالة الموسيقى الكلاسيكية وحداثة التوزيع الموسيقي.
في مسرح قرطاج كتبت الفرقة واحدة من أجمل لحظات الدورة الستين للمهرجان مؤكدة أن الموسيقى ليست مجرد فن للمتعة، بل وعاء للذاكرة ومرآة للهوية الثقافية فقد تجاوز العرض حدود الإبهار السمعي والبصري ليمنح الجمهور تجربة إنسانية وجمالية عميقة، أثبتت مرة أخرى أن الموسيقى قادرة على بناء الجسور بين الشعوب وأن اختلاف اللغات والثقافات لا يمنع الإنسان من أن يصغي إلى لغة واحدة… لغة الفن.
















