لم يكن مساء السبت الأول من أوت 2026 موعدًا مع حفل موسيقي تقليدي ضمن فعاليات الدورة الستين لمهرجان قرطاج الدولي بل كان لقاءً استثنائيًا بين التاريخ والموسيقى وبين الإنسان والروح ففي أول ظهور له على ركح المسرح الروماني الأثري بقرطاج، قدّم الفنان البريطاني ذو الأصول الأذربيجانية سامي يوسف عرضًا تجاوز حدود الغناء ليصبح تجربة فنية وإنسانية متكاملة أعادت تعريف العلاقة بين الموسيقى والجمهور.
منذ اللحظات الأولى بدا واضحًا أن الحفل لا يراهن على الإبهار البصري وحده ولا على استعراض الإمكانات الصوتية وإنما على بناء حالة وجدانية تستند إلى التأمل والإنصات فالمسرح الذي شهد عبر قرون عروضًا وأساطير وحضارات متعددة استقبل هذه المرة موسيقى تنهل من تراث الشرق والغرب معًا لتؤكد أن الفن قادر على تجاوز الحدود الجغرافية واللغوية والدينية.
مشروع فني يتجاوز التصنيف
على امتداد أكثر من عقدين رسّخ سامي يوسف مكانته كواحد من أبرز الفنانين الذين نجحوا في تقديم رؤية موسيقية مختلفة، تجمع بين الروحانية والتأليف الموسيقي الحديث. ورغم شهرته الواسعة من خلال أعمال مثل “المعلم” و**”حسبي ربي”** و**”مدد”**، فإن مشروعه لم يتوقف عند الأغنية ذات الطابع الديني بل تطور ليصبح تجربة عالمية تستلهم الموسيقى الكلاسيكية والتراث العربي، والمقامات الفارسية والموسيقى الأندلسية وإيقاعات آسيا الوسطى والبلقان.
ويتميز سامي يوسف بإتقانه لعدد من اللغات من بينها العربية والإنجليزية والفارسية والتركية والأذرية وهو ما انعكس على إنتاجه الفني الذي يخاطب جمهورًا متنوعًا في مختلف أنحاء العالم ويؤمن بأن الموسيقى لغة إنسانية تتجاوز الانتماءات الضيقة.
قرطاج… فضاء يليق بالموسيقى العابرة للحضارات
لم يكن اختيار المسرح الأثري بقرطاج مجرد محطة ضمن جولة فنية بل بدا المكان امتدادًا طبيعيًا لفلسفة المشروع الموسيقي الذي يحمله سامي يوسف فهذه المدينة التي تعاقبت عليها الحضارات الفينيقية والرومانية والعربية والمتوسطية تحولت في تلك الليلة إلى مساحة يلتقي فيها الشرق بالغرب والتراث بالحداثة.
رافق الفنان أكثر من ثلاثين موسيقيًا ومنشدًا من جنسيات متعددة في عرض أوركسترالي ضخم جمع بين العود والقانون والناي والدفوف إلى جانب الكمان والتشيللو والآلات الغربية لتتشكل لوحة صوتية ثرية حافظت على توازنها بين البساطة والرقي.
ولم يكن التنوع الموسيقي مجرد استعراض للأساليب المختلفة بل جاء مندمجًا في رؤية واحدة تجعل من كل آلة وكل مقام جزءًا من حوار ثقافي متكامل حيث امتزجت المقامات العربية بالألحان الأندلسية وتأثرت بعض المقاطع بالموسيقى الفارسية والكلاسيكية الأوروبية في تجربة تؤكد أن الاختلاف يمكن أن يتحول إلى مصدر للجمال.
السينوغرافيا… حين يروي “المرقوم” التونسي حكاية المكان
لم تقتصر خصوصية العرض على الموسيقى وحدها بل امتدت إلى الجانب البصري فقد حضرت نقوش “المرقوم” التونسي بألوانها وزخارفها في السينوغرافيا لتمنح الركح هوية تونسية واضحة وتخلق حوارًا بين التراث المحلي والرؤية الفنية العالمية للعرض.
وجاءت الإضاءة هادئة ومدروسة متناغمة مع إيقاع الموسيقى فبدت وكأنها ترسم فضاءات للتأمل أكثر من كونها وسيلة للإبهار البصري لتصبح السينوغرافيا عنصرًا أساسيًا في السرد الفني لا مجرد خلفية للعرض.
جمهور يصغي أكثر مما يهتف
في زمن أصبحت فيه الحفلات تعتمد على الإيقاعات الصاخبة والمؤثرات السريعة فرض سامي يوسف إيقاعًا مغايرًا فقد ساد المسرح صمتٌ مهيب واختار الجمهور الإصغاء قبل التصفيق وكأن الجميع دخل في حالة من التأمل الجماعي.
ومع انطلاق أغنيات مثل “المعلم” و**”حسبي ربي”** و**”مدد”** تحولت مدارج قرطاج إلى كورال جماعي ردد الكلمات عن ظهر قلب في مشهد امتزجت فيه الأصوات بوقع حجارة المسرح العتيقة لتكتسب الأغنيات بعدًا جديدًا يتجاوز التسجيلات المعروفة إلى تجربة معيشة.
وشارك في هذا العرض الفنانون المغربيان نبيلة معان وإسماعيل بوجية إلى جانب الفنان الإسباني إسرا مورو الذين أضافوا بأصواتهم وخلفياتهم الموسيقية أبعادًا جديدة للعرض خاصة في المقاطع المستلهمة من الموسيقى الأندلسية.
لحظة إنسانية… عندما حضرت غزة في قلب قرطاج
من أكثر لحظات السهرة تأثيرًا استحضار سامي يوسف لما تعيشه غزة من خلال تقديم قصيدة الشاعر الفلسطيني محمود درويش “ونحن نحب الحياة إذا ما استطعنا إليها سبيلا”.
ساد الصمت قبل أن ينفجر المسرح بالتصفيق والهتافات الداعمة لفلسطين في لحظة جمعت بين الشعر والموسيقى والموقف الإنساني دون أن تخرج عن النسق الهادئ الذي طبع العرض منذ بدايته.
الموسيقى باعتبارها لغة للقيم الإنسانية
ما يميز تجربة سامي يوسف أنها لا تنطلق من فكرة الترفيه وحدها بل من إيمان عميق بأن الموسيقى يمكن أن تكون وسيلة للحوار والتقارب بين الشعوب وأن الفن قادر على نشر قيم السلام والرحمة والكرامة الإنسانية.
ولهذا لم يكن الحفل مجرد استعراض للأداء الصوتي أو المهارات التقنية بل بدا مشروعًا فكريًا وجماليًا متكاملًا يمنح الكلمة والموسيقى والضوء والصورة المكانة نفسها داخل العرض.
قرطاج تؤكد مكانتها فضاءً للفن العالمي
أكدت هذه السهرة مرة أخرى قدرة مهرجان قرطاج الدولي على استقطاب تجارب فنية عالمية تحمل قيمة ثقافية وإنسانية وتنسجم مع رمزية هذا المسرح التاريخي الذي ظل منذ تأسيس المهرجان فضاءً للحوار بين الحضارات.
أما سامي يوسف فقد نجح في أن يترك بصمة خاصة في أول لقاء له مع جمهور قرطاج مقدّمًا عرضًا سيبقى في ذاكرة الحاضرين بوصفه إحدى أبرز سهرات الدورة الستين ليس فقط لجمال الموسيقى وإنما لأنه أعاد التذكير بأن الفن الحقيقي لا يُقاس بعدد الأغنيات بل بقدرته على ملامسة الروح وبناء الجسور بين الثقافات وإحياء المعنى الإنساني للموسيقى.
















