حنان العبيدي
أكدت نامية العيادي، رئيسة الهيئة التونسية للاستثمار (TIA)، أن اعتماد المعايير البيئية والمجتمعية ومعايير الحوكمة (ESG) أصبح اليوم عنصرًا محوريًا في ضمان استدامة المؤسسات والشركات وتعزيز قدرتها التنافسية، وذلك خلال ندوة علمية نظمها معهد الدراسات العليا بتونس بالشراكة مع المعهد التونسي لأعضاء مجالس الإدارة (Institut Tunisien des Administrations)
وتهدف هذه الندوة إلى تسليط الضوء على أهمية إدماج معايير ESG في السياسات العمومية والاستراتيجيات المؤسسية، باعتبارها أداة أساسية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين مناخ الأعمال، وتعزيز ثقة المستثمرين المحليين والأجانب.
وأوضحت العيادي أن الأطر التشريعية والتنظيمية، سواء على المستوى الوطني أو الدولي، تشهد تطورًا متسارعًا في اتجاه إدماج معايير الاستدامة، لا سيما من خلال فرض دراسات التأثير البيئي والاجتماعي قبل إنجاز المشاريع. وبيّنت أن هذه الدراسات لا تندرج في إطار إجراءات شكلية، بل تمثل أدوات تقييم حقيقية لقياس انعكاسات الأنشطة الاقتصادية على البيئة والمجتمع، وتحديد التدابير الكفيلة بالحد من آثارها السلبية، في انسجام تام مع مقتضيات القوانين الجاري بها العمل.
وأضافت رئيسة الهيئة التونسية للاستثمار أن عددًا من مبادئ ESG أصبح مدمجًا فعليًا في التشريعات الوطنية، في حين تتجاوز بعض متطلبات هذه المعايير الإطار القانوني لتتحول إلى التزامات تعتمدها بالأساس المؤسسات المنخرطة في الأسواق الدولية. وتشمل هذه المؤسسات الشركات الأجنبية الناشطة في تونس، والمؤسسات التونسية المصدّرة، إضافة إلى الشركات المنتمية إلى مجموعات دولية، حيث بات احترام معايير ESG شرطًا أساسيًا للنفاذ إلى الأسواق العالمية وجذب الاستثمارات.
وفي هذا السياق، تطرقت نامية العيادي إلى التجربة الأوروبية في تطبيق معايير الاستدامة، مشيرة إلى التحديات التي رافقت تشديد القوانين البيئية، خاصة في قطاع السيارات الكهربائية. وأوضحت أن بعض هذه السياسات، رغم أهدافها البيئية، أفرزت تأثيرات غير متوقعة على تنافسية المؤسسات الأوروبية، ما يؤكد ضرورة تحقيق توازن بين الطموح البيئي ومتطلبات النمو الاقتصادي والحفاظ على القدرة التنافسية.
وعلى الصعيد الوطني، شددت العيادي على أن تونس تزخر بإمكانات اقتصادية ومؤسساتية هامة، غير أن التحدي الحقيقي يكمن في توحيد الجهود وتوضيح الإجراءات المفروضة على المؤسسات، بما يعزز ثقة المستثمرين والبنوك وصناديق الاستثمار. وأكدت أن معايير ESG تمثل مرجعًا أساسيًا لتقييم المشاريع وضمان استدامتها، فضلًا عن دورها في دعم تنافسية الصادرات وتحسين جاذبية الموقع التونسي للاستثمار الأجنبي المباشر.
كما أبرزت رئيسة الهيئة التونسية للاستثمار الأهمية الاستراتيجية لمسار إزالة الكربون من الاقتصاد الوطني، مؤكدة أن تونس تمتلك مقومات طبيعية واعدة، على غرار الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، تخوّل لها تطوير منظومة طاقة نظيفة ومتجددة. وأشارت إلى أن الأهداف الوطنية الرامية إلى بلوغ نسبة 35% من الطاقات المتجددة ضمن المزيج الطاقي في أفق سنة 2030 من شأنها المساهمة في تحسين الميزان التجاري، وتقليص التبعية الطاقية، وتعزيز النجاعة الاقتصادية.
وأضافت أن هذا التوجه سيساعد كذلك على حماية الصادرات التونسية من آليات دولية مثل آلية تعديل الكربون على الحدود (CBAM)، كما يعزز موقع تونس كوجهة استثمارية تراعي المعايير البيئية الدولية وتستجيب لمتطلبات الاستدامة.
وفي ختام مداخلتها، دعت نامية العيادي إلى مزيد من تبسيط السياسات العمومية وتعزيز التنسيق بين مختلف المتدخلين، من مؤسسات عمومية وقطاع خاص وهياكل تمويل، مع التأكيد على أهمية إدماج البعد الاجتماعي، خاصة ما يتعلق بالتشغيل وإدماج الكفاءات الشابة وحاملي الشهادات العليا. وخلصت إلى أن اعتماد معايير ESG يشكل اليوم فرصة حقيقية لدعم استدامة المؤسسات، وتعزيز تنافسية الاقتصاد الوطني، وترسيخ جاذبية تونس كوجهة استثمارية مستدامة.




















