منذ إنشائه، كان الهدف من البنك التونسي لتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة (BFPME) مساندة الباعثين الشبان وتسهيل وصول المؤسسات الصغيرة والمتوسطة إلى التمويل. لكن بعد أكثر من عقدين، يجد البنك نفسه في وضعية مالية حرجة، جعلته من مؤسسة دعم للتنمية إلى عبء ثقيل على المالية العمومية.
خسائر مالية متواصلة
أظهرت النتائج المالية لسنة 2024 أن البنك سجّل خسارة صافية تقدّر بـ-13,09 مليون دينار، مقابل -16,16 مليون دينار سنة 2023. ورغم هذا الانخفاض الطفيف في حجم الخسائر، إلا أن الصورة العامة قاتمة: فقد بلغت الخسائر المتراكمة حوالي -142,88 مليون دينار بنهاية السنة، ما أدى إلى رأسمال سلبي يقدّر بـ-53,04 مليون دينار. هذه الأرقام تكشف عن مؤشرات صريحة لاهتزاز التوازنات المالية وصعوبة العودة إلى الربحية.
نسب ملاءة سلبية
أكثر ما يثير القلق هو تدهور مؤشرات الصلابة المالية:
صافي الأموال الخاصة سجّل -55,875 مليون دينار.
نسبة الملاءة بلغت -6,03%، في حين أن الحد الأدنى القانوني يجب أن يكون في حدود 10%.
نفس النسبة السلبية سُجّلت لرأسمال الدرجة الأولى (Tier I) التي يجب ألا تقل عن 7%.
هذه المؤشرات تعني أن البنك يفتقر عملياً للقدرة على مواجهة المخاطر أو امتصاص الصدمات.
محفظة قروض متعثرة
بلغ حجم محفظة القروض حوالي 213,8 مليون دينار، لكن الكارثة الحقيقية تكمن في أن 92,9% من هذه القروض مصنّفة كمتعثرة مقابل 89% سنة 2023. أما نسبة التغطية بالاحتياطيات فلم تتجاوز 57,7%، ما يعني أن أي تخلّف إضافي عن السداد قد يجرّ البنك إلى انهيار أسرع.
موارد ضعيفة وتكاليف متفاقمة
المنتج البنكي الصافي (PNB) تراجع إلى 5,7 مليون دينار سنة 2024، مقابل 6,5 مليون دينار في 2023، بينما ارتفعت كلفة الموارد المالية بنسبة 44%. وهو ما يعكس خللاً هيكلياً بين المداخيل والتكاليف، إضافة إلى ضعف النجاعة التشغيلية.
التزامات متزايدة
إجمالي التزامات البنك (على الميزانية وخارجها) بلغ 437,9 مليون دينار، مسجّلاً تراجعاً طفيفاً قدره -0,54%. لكن المقلق أن الالتزامات خارج الميزانية ارتفعت إلى 4,291 مليون دينار مقابل 2,956 مليون دينار في 2023، أي بزيادة 45%.
محاولات للإنقاذ
لمواجهة هذا الوضع، أُبرمت في 2024 خطّتان للتمويل بقيمة 10 ملايين دينار لكل منهما، وُجّهتا لدعم مشاريع الاقتصاد الأخضر والطاقة المتجددة، بشروط ميسّرة. كما تمت المصادقة على إعادة هيكلة رأس المال: تخفيضه من 100 إلى 10 ملايين دينار، ثم رفعه إلى 69,06 مليون دينار عبر تحويل جزء من ديون الدولة. إضافة إلى ذلك، تقرّر سنة 2025 فتح خطوط تمويل جديدة بقيمة 20 مليون دينار لدعم الشركات الناشئة والاستثمار.
لكن كل هذه الخطوات، رغم أهميتها، تبقى أشبه بعمليات “إنعاش اصطناعي”، لا تعالج الداء الهيكلي المتمثل في الحوكمة الضعيفة، غياب المتابعة الصارمة للمشاريع، والضغط السياسي في منح التمويلات.
انعكاسات اقتصادية واجتماعية
فشل البنك في لعب دوره انعكس مباشرة على الاقتصاد الوطني. فالمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي كان يُفترض أن تستفيد من دعم BFPME وجدت نفسها أمام بيروقراطية معقدة، قروض محدودة، ونسبة رفض مرتفعة. هذا الوضع دفع الكثير من الباعثين الشباب إمّا إلى التخلي عن مشاريعهم أو اللجوء إلى الاقتصاد الموازي.
الإصلاح أو الزوال
الأرقام المفزعة لسنة 2024 تؤكد أن البنك التونسي لتمويل المؤسسات الصغرى والمتوسطة يمرّ بأخطر مراحله. استمرار هذه الوضعية دون إصلاحات جذرية في الحوكمة، الرقابة، واستراتيجية التمويل، لن يؤدي سوى إلى مزيد من إهدار المال العام وفقدان ثقة المستثمرين. المطلوب اليوم ليس فقط ضخ أموال جديدة، بل إعادة بناء البنك على أسس جديدة تضمن الشفافية، النجاعة، والمساءلة. وإلا فإن مصيره سيكون الاندثار، تاركاً وراءه درساً قاسياً في سوء الإدارة المؤسسية.