في وقت تتسارع فيه لتحولات الرقمية وتتزايد فيه المخاطر المرتبطة بالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي، تطرح تونس اليوم سؤالاً يتجاوز مجرد مواكبة التكنولوجيا: هل تملك الكفاءات القادرة على حماية هذا التحول وإدارته وتوظيفه بشكل آمن وفعّال؟ هذا السؤال سيكون في صلب اللقاء الذي تنظمه ECS Formation بالشراكة مع أكاديمية شيربروك كندا-تونس يوم الجمعة 25 سبتمبر 2026، انطلاقاً من الساعة التاسعة صباحاً بدار الثقافة محمد الخامس بالعاصمة، تحت عنوان يتعلق بـالأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وكفاءات المستقبل ومسارات التكوين الكندية في تونس. لم يعد الأمن السيبراني خياراً ثانوياً البيان يربط تنظيم هذا اللقاء بالسياق الوطني الجديد في مجال حماية الأنظمة والمنظومات الرقمية، خاصة بعد صدور منشور رئاسة الحكومة بتاريخ 2 سبتمبر 2026 والمتعلق بتأمين المنظومات الرقمية للهيئات العمومية. وهو ما يعكس، وفق مضمون البيان، تنامي الحاجة إلى كفاءات قادرة على حماية الأنظمة والشبكات والمعطيات ومواكبة حاجيات المؤسسات.
لكن أهمية المسألة لا تتوقف عند المؤسسات العمومية. فكل توسع في استعمال الخدمات الرقمية والذكاء الاصطناعي يفتح في المقابل مجالات جديدة للمخاطر، من حماية البيانات إلى أمن الأنظمة والتطبيقات، مروراً بإدارة المعلومات والتعامل مع التهديدات السيبرانية. ومن هنا تبرز معادلة أساسية: لا يمكن بناء تحول رقمي مستدام من دون الاستثمار في الإنسان الذي سيؤمّن هذا التحول. الذكاء الاصطناعي يغيّر طبيعة الوظائف اللقاء المنتظر يضع الذكاء الاصطناعي إلى جانب الأمن السيبراني، وهو تقاطع أصبح أكثر أهمية مع دخول الذكاء الاصطناعي إلى مختلف القطاعات. فالذكاء الاصطناعي لا يخلق فقط أدوات جديدة، بل يعيد أيضاً تشكيل المهارات المطلوبة في سوق العمل. وتحتاج المؤسسات إلى موظفين قادرين على فهم هذه التقنيات، استخدامها، تقييم مخاطرها، والتعامل مع تداعياتها على البيانات والخصوصية والأمن. ويشير البيان إلى أن اللقاء سيقدم إجابات عملية من خلال عروض تطبيقية ونقاشات متخصصة وورشات عمل، بما يسمح للشباب والمهنيين بالتعرف على فرص الشركات والتوجهات الحديثة في الأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي وتطوير الويب وإدارة المشاريع.
التكوين يصبح جزءاً من المعركة الرقمية المسألة المطروحة ليست فقط: كم عدد المؤسسات التي تستثمر في التكنولوجيا؟ بل أيضاً: كم عدد الأشخاص القادرين على تشغيل هذه التكنولوجيا وحمايتها وتطويرها؟ وهنا تأتي أهمية التكوين المهني المتخصص. فالتحول الرقمي يحتاج إلى مطورين، وخبراء أمن معلومات، ومديري مشاريع، ومختصين في البيانات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب كفاءات قادرة على الربط بين التكنولوجيا والحاجيات الفعلية للمؤسسات. ويقدم المنظمون مسارات تكوين كندية في عدد من المجالات، من بينها الأمن السيبراني، وأمن الحوسبة السحابية، والبيانات، وتطوير الويب المعزز بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج تجمع بين المعرفة والتطبيقات المهنية.
سوق العمل أمام تحول عميق ويستند البيان إلى معطيات دراسة دولية أُنجزت سنة 2024 حول أهمية هذه الكفاءات، تشير إلى وجود طلب عالمي متزايد على المهارات الرقمية، مع توقعات بإحداث ملايين الوظائف في مختلف القطاعات خلال السنوات المقبلة.
وبالنسبة إلى تونس، يمكن لهذا التحول أن يمثل فرصة لتعزيز قابلية تشغيل الشباب وربط التكوين بحاجيات المؤسسات، خاصة إذا تم الانتقال من التكوين النظري إلى التكوين التطبيقي المرتبط مباشرة بسوق الشغل. كما أن انفتاح التكوين على تجارب دولية، مثل التجربة الكندية التي يطرحها اللقاء، يفتح نقاشاً حول مدى قدرة منظومة التكوين التونسية على مواكبة السرعة التي تتغير بها المهن الرقمية. من حماية البيانات إلى حماية الاقتصاد الأمن السيبراني لم يعد ملفاً تقنياً يهم أقسام الإعلامية فقط. أي اختراق لمنظومة رقمية يمكن أن تكون له انعكاسات على استمرارية الخدمات، سرية المعلومات، ثقة الحرفاء، وسمعة المؤسسة. ومع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه التحديات أكثر تعقيداً، لأن المؤسسات مطالبة في الوقت نفسه بالاستفادة من التكنولوجيا الجديدة وبإدارة المخاطر التي ترافقها. لذلك فإن الاستثمار في الكفاءات المتخصصة لا يمثل مجرد استثمار في الموارد البشرية، بل يمكن النظر إليه باعتباره جزءاً من الاستثمار في القدرة التنافسية للمؤسسات والاقتصاد الرقمي ككل. لقاء يطرح سؤال المستقبل ومن المنتظر أن يجمع اللقاء خبراء دوليين وجامعيين وممثلين عن المجتمع المدني ورؤساء مؤسسات وخبراء محاسبين ومهنيين، إلى جانب ممثلين عن هياكل مهنية وجمعيات ناشطة في المجال الرقمي.
والأهم أن النقاش لن يكون حول التكنولوجيا باعتبارها غاية في حد ذاتها، بل حول الكفاءات التي تحتاجها تونس حتى لا يتحول التحول الرقمي إلى مجرد استهلاك للأدوات دون امتلاك القدرة على تطويرها وتأمينها. ففي زمن الذكاء الاصطناعي، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل ستدخل التكنولوجيا الجديدة إلى سوق العمل التونسية؟ بل: هل سيكون التكوين التونسي جاهزاً لتكوين الإنسان القادر على العمل معها، تطويرها، ومواجهة مخاطرها؟ وهذه هي النقطة التي تجعل من لقاء 25 سبتمبر أكثر من مجرد مناسبة للتعريف بمسارات تكوين جديدة، بل فرصة لفتح نقاش أوسع حول مستقبل الكفاءات الرقمية في تونس وموقعها في الاقتصاد الجديد.




















