لم تكن زيارة وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول إلى قصر قرطاج مجرد محطة دبلوماسية عابرة، بل تحولت إلى مناسبة لطرح ملفات ثقيلة تتعلق بمستقبل العلاقات التونسية الألمانية، وبشكل أوسع بمستقبل الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي.
وخلال استقباله يوم الاثنين بقصر قرطاج، شدد رئيس الجمهورية قيس سعيّد على عراقة العلاقات التي تجمع تونس وألمانيا، والتي تعود جذورها إلى القرن التاسع عشر، قبل أن تتعزز بعد استقلال تونس وإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين قبل سبعة عقود.
لكن خلف عبارات الصداقة والتعاون، حمل اللقاء رسائل واضحة بشأن ضرورة إعادة النظر في طبيعة العلاقات الاقتصادية والمالية بين تونس وشركائها الأوروبيين.
قيس سعيّد: الشراكة مع أوروبا يجب أن تكون أكثر عدلًا
ومن أبرز الملفات التي طرحها رئيس الجمهورية، ضرورة مراجعة عدد من الاتفاقيات، وفي مقدمتها اتفاق الشراكة بين تونس والاتحاد الأوروبي.
وأكد سعيّد أن تونس تسعى إلى أن تكون هذه الاتفاقية أكثر توازنًا وأكثر عدلًا، في موقف يعكس رغبة في إعادة تقييم العلاقة الاقتصادية مع أوروبا على أساس المصالح المشتركة وليس فقط على أساس الالتزامات التقليدية.
وتكتسي هذه الرسالة أهمية خاصة، باعتبار أن الاتحاد الأوروبي يمثل الشريك الاقتصادي والتجاري الأبرز لتونس، وأن أي مراجعة جوهرية لقواعد هذه الشراكة يمكن أن تكون لها انعكاسات مباشرة على التجارة والاستثمار والتمويل والتنمية.
القروض تتحول إلى استثمارات.. سؤال كبير حول المال العام
ولم يتوقف النقاش عند الاتفاقيات التجارية، بل امتد إلى ملف القروض.
فقد دعا رئيس الجمهورية إلى تحويل القروض إلى استثمارات، معتبرًا أن الشعب التونسي لم يستفد منها بالقدر المطلوب، وأن جزءًا من الأموال تم توجيهه بعيدًا عن الأهداف التي كان يفترض أن تخدمها.
وأكد سعيّد أن كلفة هذه القروض يتحملها الشعب التونسي، في إشارة إلى الضغط الذي تفرضه المديونية على المالية العمومية وعلى الأجيال القادمة.
وهنا يبرز السؤال الأكبر: كيف يمكن تحويل التمويلات الخارجية من عبء على الدولة إلى مشاريع منتجة تخلق الثروة وفرص العمل؟
الطاقة والتكنولوجيا.. مجالات جديدة للشراكة
في المقابل، أكد رئيس الجمهورية حرص تونس على تطوير التعاون مع ألمانيا في قطاعات استراتيجية، من بينها التعليم العالي والبحث العلمي والتكوين المهني والطاقة والتجديد التكنولوجي.
وهي مجالات يمكن أن تشكل أرضية حقيقية لشراكة جديدة، خاصة في ظل الحاجة التونسية إلى تطوير الكفاءات، وتشجيع الابتكار، وجذب الاستثمارات ذات القيمة المضافة، وتسريع الانتقال الطاقي.
وتملك ألمانيا خبرة واسعة في الصناعة والتكوين المهني والطاقات المتجددة والتكنولوجيا، بينما تمتلك تونس موقعًا استراتيجيًا وكفاءات بشرية يمكن أن تكون قاعدة لتطوير شراكات أوسع.
70 سنة من العلاقات.. فهل تبدأ مرحلة جديدة؟
وتأتي هذه التطورات في سنة يحتفل فيها البلدان بمرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية.
سبعة عقود من التعاون أنتجت روابط اقتصادية وثقافية وإنسانية واسعة، لكن تونس تبدو اليوم أكثر إصرارًا على الانتقال من مرحلة التعاون التقليدي إلى شراكة تقوم على المصالح المتبادلة والاستثمار المنتج ونقل التكنولوجيا وخلق الثروة.
وفي هذا السياق، أكد قيس سعيّد أن الإنسانية تدخل مرحلة جديدة في تاريخها، وأن الأزمات العالمية المتصاعدة تتطلب تصورات جديدة وفكرًا مختلفًا يقوم على الحرية والعدل.
رسالة قرطاج: الصداقة مستمرة.. لكن قواعد اللعبة يجب أن تتغير
لقاء قصر قرطاج حمل إذن رسالتين في آن واحد:
الأولى: تونس حريصة على علاقاتها التاريخية مع ألمانيا وعلى تطوير التعاون معها.
والثانية: تونس تريد مراجعة بعض قواعد العلاقة الاقتصادية مع أوروبا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر باتفاقيات الشراكة والتمويل والقروض.
وبين الصداقة التاريخية والحسابات الاقتصادية الجديدة، يبدو أن تونس تسعى إلى فتح فصل مختلف في علاقاتها مع شركائها الأوروبيين، عنوانه الأبرز:

















