غريبٌ جداً ما يحدث اليوم في تونس مع الماء المعدني، والأغرب أن المفارقة أصبحت واضحة إلى درجة تثير أكثر من سؤال: الماء المعدني غائب عند العطّار والحانوت، لكنه حاضر في المقاهي والمطاعم وصالونات الشاي… وبسعر أغلى!
المواطن التونسي أصبح يقضي جزءاً كبيراً من يومه متنقلاً من محل إلى آخر، ومن كشك إلى دكان، بحثاً عن قارورة ماء، ولو كانت صغيرة. يدخل إلى العطّار فيجد الرفوف فارغة، ثم يتجه إلى محل آخر، ثم ثالث، وفي النهاية قد يجد القارورة التي يبحث عنها… في مقهى أو مطعم، ولكن بسعر مختلف تماماً.
المسألة لم تعد مجرد نقص عابر في مادة استهلاكية، بل تحولت إلى أزمة حقيقية تمس مادة أساسية لا يستطيع المواطن الاستغناء عنها، خصوصاً في فصل الصيف ووسط ارتفاع درجات الحرارة.
الأغرب أن الماء المعدني موجود في السوق، ولكنه لا يبدو موجوداً بالقدر نفسه بالنسبة إلى الجميع. هناك محلات يتم تزويدها بالكميات، لكن القوارير تختفي بسرعة، فيما يبقى المواطن الذي يصل متأخراً أمام رفوف فارغة. وفي المقابل، يبدو الماء المعدني متوفراً بشكل أوضح في المقاهي والمطاعم وبعض الفضاءات الراقية، حيث يستطيع المستهلك الحصول عليه بسهولة، ولكن بأسعار أعلى بكثير من السعر الذي ينتظره المواطن عند العطّار القريب من منزله.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل المشكلة فعلاً في الإنتاج؟ أم في التوزيع؟ أم في هوامش الربح؟ أم في طريقة تنظيم مسالك التزويد؟
عدد من أصحاب المحلات الصغرى والأكشاك يقولون إنهم أصبحوا يعزفون عن التزود بالماء المعدني عندما تكون الأسعار وهوامش الربح المحددة لا تغطي، وفق تقديرهم، تكاليف التزويد والنقل والتوزيع. وإذا كان الأمر كذلك، فإن النتيجة الطبيعية تكون واضحة: العطّار الذي يفترض أن يكون الحلقة الأقرب إلى المواطن يصبح عاجزاً عن توفير القارورة، بينما تظل المادة متوفرة في قنوات أخرى قادرة على بيعها بسعر أعلى.
وهكذا يجد المواطن نفسه أمام مفارقة صارخة: القارورة غائبة عندما يبحث عنها عند العطّار، وحاضرة عندما يجلس في المقهى أو صالون الشاي!
المشكلة هنا ليست في المقهى أو المطعم، ولا في صاحب المحل الذي يبحث عن هامش ربح. المشكلة في منظومة كاملة يجب أن تضمن وصول هذه المادة الأساسية إلى المستهلك، بالسعر المناسب وفي المكان المناسب.
لكن أزمة الماء المعدني تفتح أيضاً ملفاً أوسع وأعمق: ملف الماء في تونس.
فتونس تمتلك موارد مائية مهمة، من بينها وادي مجردة، والسدود، والموائد المائية، ومصادر مختلفة للمياه. ومع ذلك، أصبح جزء من التونسيين يعتمد بشكل متزايد على المياه المعدنية المعلبة، ليس فقط باعتبارها خياراً استهلاكياً، وإنما أيضاً بسبب عدم الثقة الكاملة في جودة وطعم مياه الحنفية في عدد من المناطق.
فالمواطن قد يجد في ماء الصنبور طعماً غير مستساغ أو ملوحة أو مرارة، وقد تختلف جودة المياه من منطقة إلى أخرى، وهو ما يدفعه إلى شراء القوارير باستمرار.
وهنا تظهر مفارقة أخرى أكثر قسوة: المواطن يدفع ثمن الماء مرتين؛ مرة عبر فاتورة الماء، ومرة أخرى عبر شراء الماء المعدني.
وبالتالي، فإن أزمة القارورة ليست أزمة قارورة فقط. إنها إنذار بشأن منظومة كاملة: من الإنتاج إلى التوزيع، ومن مراقبة المسالك التجارية إلى حماية المستهلك، وصولاً إلى جودة مياه الشرب التي تصل إلى المنازل.
الماء ليس سلعة عادية يمكن أن نتركها لقواعد العرض والطلب وحدها. الماء حاجة أساسية، وغيابه من رفوف المحلات، أو ارتفاع سعره، أو اضطرار المواطن إلى التنقل بين عشرات المحلات للعثور على قارورة، كلها مؤشرات تستوجب التوقف عندها.
والسؤال الذي يجب أن يطرح اليوم بوضوح هو: كيف يعقل أن يكون الماء المعدني غائباً عند العطّار، بينما نجده حاضراً في المقاهي والمطاعم وصالونات الشاي، وبأسعار أعلى؟
المطلوب ليس فقط ضخ كميات إضافية من القوارير في السوق كلما اشتدت الأزمة، ثم انتظار عودتها من جديد. المطلوب هو فهم الخلل الحقيقي في منظومة التوزيع، ومعرفة أين تتعطل القارورة بين المصنع والمستهلك، ولماذا يجدها المواطن في مكان ولا يجدها في مكان آخر.
وفي بلد يجري فيه وادي مجردة، وتوجد فيه السدود والموارد المائية، لا ينبغي أن يتحول الحصول على قارورة ماء إلى رحلة بحث يومية.
ففي تونس، يبدو أن المشكلة لم تعد في وجود الماء فقط… بل في أين يوجد الماء، ولمن يصل، وبأي سعر.
والأخطر من ذلك أن المواطن أصبح يشعر بأن القارورة التي لا يجدها عند العطّار، تنتظره في المقهى… ولكن بسعر آخر.
بقلم “سامي غابة”

















