احتضنت مدينة القيروان التونسية، إحدى أبرز المدن التاريخية والروحية في البلاد، فعالية بمناسبة المولد النبوي الشريف، جمعت بين تقاليد الموسيقى الصوفية التركية وفن السماع والدوران الصوفي القادم من مدينة قونية. ونُظمت الفعالية بالتعاون بين سفارة الجمهورية التركية في تونس ووزارة الشؤون الثقافية التونسية وجمعية الاحتفالات الدولية بمناسبة ذكرى المولد النبوي الشريف بالقيروان، بمشاركة فرقة تضم 21 فنانًا من فرقة الموسيقى الصوفية التركية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى. واستُهل البرنامج بعرض للموسيقى الصوفية التركية، قبل أن تقدم الفرقة عرضًا للدراويش الدوّارين، في أجواء جمعت بين التراث الموسيقي والبعد الروحي للمناسبة. وشكلت الفعالية مناسبة للتعريف بجانب من التراث الصوفي والموسيقي لمدينة قونية، وإبراز القواسم الثقافية والروحية المشتركة بين تركيا وتونس.

وفي كلمة افتتاحية، هنأ سفير تركيا لدى تونس أحمد مصباح دميرجان الشعب التونسي والعالم الإسلامي بمناسبة المولد النبوي الشريف، مستحضراً سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم وما تمثله من قيم الرحمة وحسن الخلق واحترام كرامة الإنسان. وأشار دميرجان إلى أن السماع يرمز إلى الحفاظ على المركز الأخلاقي للإنسان وسط الحياة المتغيرة، موضحًا أن حركة الدراويش ليست انفصالًا عن العالم، وإنما تعبير عن حالة من التوازن والبحث الداخلي. وقال إن انحناء رأس الدراويش لا يعبر عن الهزيمة، وإنما عن الأدب والتوجه إلى الداخل، مضيفًا: “عندما ينحني الرأس لا يصغر الإنسان، بل يصغر الكِبر.” وتوقف السفير عند الرمزية التي تحملها حركة اليدين أثناء الدوران، مشيرًا إلى أن اليد الممدودة نحو السماء ترمز إلى تلقي الرحمة والنعم الإلهية، بينما تعبر اليد الأخرى عن مشاركة ما يتم تلقيه مع جميع المخلوقات.
وأكد أن الرحمة ينبغي أن تُنظر إليها باعتبارها أمانة لا ملكية، قائلاً إن الدراويش “يعطون الأرض ما أخذوه من السماء”. قونية والقيروان.. ذاكرة روحية تتقاطع على ضفتي المتوسط وتطرق دميرجان إلى أوجه التقارب الثقافي والروحي بين تركيا وتونس، قائلاً إن “ناي قونية يحل هذا المساء ضيفًا على الصوت الروحي لتونس”. وأشار إلى أن ذاكرة المالوف التونسي ونَفَس الناي يلتقيان في هذا الفضاء، مضيفًا: “البحر الأبيض المتوسط يحمل نفسًا مشتركًا إلى ضفتين.” وأكد السفير أن مولانا جلال الدين الرومي لا يمثل مجرد ذكرى لجغرافيا واحدة، بل هو متصوف كبير يخاطب العالم الداخلي للإنسان، ويذكر بقيم الرحمة والعدل والتواضع والمشاركة. وأضاف أن الرومي يقدم نموذجًا يؤكد إمكانية العيش مع الاختلاف، مشددًا على حاجة الإنسانية اليوم إلى الرحمة، وإلى لغة تحمي كرامة الإنسان، وإلى عدالة تعزز الأخوة. وختم دميرجان بالتأكيد على أن مسؤولية الجميع تتمثل في عدم فقدان “مركز الخير”. علي فيضي أويصال: جئنا من موطن مولانا لنشارك أهل القيروان موسيقانا من جانبه، أعرب علي فيضي أويصال، المنشد والمغني في فرقة الموسيقى الصوفية التركية والسماع التابعة لبلدية قونية الكبرى، عن سعادتهم بوجودهم في القيروان، مؤكدًا أن المدينة تحمل مكانة خاصة بما تختزنه من ذاكرة إسلامية وروحية عريقة. وقال أويصال إن الفرقة جاءت إلى القيروان لتقدم للجمهور التونسي جانبًا من الموسيقى الصوفية التركية، مضيفًا: “نحن أيضًا قادمون من موطن حضرة مولانا، قونية.”
وأوضح أن البرنامج يتضمن أداء المولوية المستوحاة من كلمات مولانا العاشقة ومن النصوص التي تستحضر سيرة النبي محمد صلى الله عليه وسلم، مشيرًا إلى أن هذه الأعمال ستقدم لأهالي القيروان. وأعرب أويصال عن أمله في أن تسهم هذه المناسبة في تعزيز الأخوة والألفة والمحبة بين الشعبين التركي والتونسي، داعيًا إلى أن تكون الفعالية جسرًا جديدًا للتقارب بين البلدين. واختُتم البرنامج بعرض السماع والدوران الصوفي، وسط أجواء روحية وثقافية جمعت بين تقاليد قونية العريقة وخصوصية القيروان الدينية والثقافية. ومن المقرر أن تواصل فرقة الموسيقى الصوفية التركية والسماع برنامجها في تونس بعرض آخر في العاصمة، في المنطقة التاريخية باب سويقة.
















